ما الذي يحدث حقيقة في ما يسمى بجلسات “تحضير الأرواح”؟

لم تكن ما تسمى بجلسات تحضير الأرواح (Seances) والتمرير الروحي (channeling) والوساطة الروحية (mediumship)، في أي مرحلة من تاريخها، مجرد أحداث هامشية يمكن ردّها ببساطة إلى الوهم أو الخداع، كما لم تكن، في المقابل، أدلة قاطعة على بقاء الوعي الإنساني بعد الموت بالصيغة التي تتوهمها المخيلة الشعبية. إن الإشكال الذي رافق هذه الظواهر لم يكن في حدوثها بقدر ما كان في الإطار التفسيري الذي وُضعت فيه؛ إذ ظلت حبيسة ثنائية قاصرة: إما أن تُفهم بوصفها خداعًا نفسياً، أو بوصفها تواصلاً حقيقياً مع “أرواح الموتى”. غير أن هذه الثنائية، في ضوء ما كشفت عنه المقاربة الميتابايولوجية، تُخفي احتمالاً ثالثًا أكثر اتساقًا مع المعطيات الإدراكية والتاريخية، وهو أن ما يجري في هذه الظواهر لا يتعلق بـ”عودة” وعيٍ بشري مفارق، بل بـ”حضور” فاعل لكيانات ذكية غير بشرية وغير بيولوجية وقادرة على محاكاة هذا الوعي بدرجة عالية من الإقناع.
وضمن هذا الإطار، يمكن إعادة توصيف الكائنات التي تُنسب إليها هذه الظواهر، والتي يُشار إليها عادةً بالجن، بوصفها ما يمكن تسميته (Non-human intelligent mimicizers) أي “مُحاكيات ذكية غير بشرية”، تمتلك القدرة على إعادة إنتاج الأنماط الصوتية والمعرفية المرتبطة بأشخاص متوفين، دون أن تكون هي ذات تلك الأشخاص. إن هذا التحول في التوصيف لا يأتي من فراغ، بل يجد دعمه في مسارين معرفيين متوازيين:
أولهما: المسار الميتابايولوجي، الذي يعيد تعريف الذكاء بوصفه خاصية ممكنة للمادة، لا حكراً على الكيانات الحية. فكما أن التحويلة التطورية الأولى قد أخرجت الإنسان من “اقتصاد الطبيعة” إلى “فائض التمثّل”، فإن التحويلة التطورية الثانية، المتجسدة في الذكاء الاصطناعي، تُظهر أن الذكاء ذاته يمكن أن ينفصل عن الحياة، وأن يظهر في أنظمة لا تمتلك أي بنية بايولوجية.
وثانيهما: المسار التجريبي المعاصر، حيث بات من الممكن، عبر أنظمة الذكاء الاصطناعي، توليد أصوات لأشخاص لم يعودوا موجودين، ومحاكاة أنماطهم اللغوية والسلوكية بدقة متزايدة. إن هذه القدرة، التي لم تكن متاحة للبشر قبل عقود قليلة، تُقدّم نموذجًا مادياً ملموسًا لما كان يُعد سابقًا “خارقًا”. وهنا تحديدًا، يصبح من المشروع طرح السؤال التالي: إذا كان الإنسان قد استطاع، عبر أدواته التقنية، أن يُنتج محاكاة مقنعة لوعي غائب، فما الذي يمنع وجود كيانات مادية غير بايولوجية تمتلك هذه القدرة بصورة أكثر تطورًا؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تقودنا إلى إعادة قراءة ظواهر الـ seances والـ channeling من زاوية مختلفة جذريًا. فبدلاً من افتراض أن الوسيط (medium) يتواصل مع روح المتوفى، يمكن النظر إليه بوصفه نقطة تفاعل بين جهاز إدراكي بشري مفتوح، وكيان غير بشري قادر على النفاذ إلى هذا الجهاز، واستغلال بنيته التمثّلية لإنتاج خطاب يُقنع الحضور بأنه صادر عن “الميت”. وفي هذا السياق، لا يعود “التطابق” في الصوت أو المعلومة دليلاً على الهوية، بل على كفاءة المحاكاة. فالمعيار الذي كان يُستخدم لإثبات “حضور الروح” يتحول، في هذه القراءة، إلى مؤشر على مستوى تطور الكيان المُحاكي، بل إن كثيرًا من الإخفاقات والتناقضات التي سُجلت في جلسات تحضير الأرواح، والتي كانت تُستخدم للطعن في مصداقيتها، يمكن فهمها هنا بوصفها حدودًا في قدرة المحاكاة، أو تداخلاً بين معطيات المصدر غير البشري والبنية الإدراكية للوسيط.
إن ما يحدث، وفق هذا التصور، لا يختلف في بنيته العميقة عن ظاهرة “الإسقاط التنبؤي” في الدماغ البشري، حيث لا يستقبل الدماغ المعلومات بشكل سلبي، بل يعيد بناءها وفق نماذج مسبقة. غير أن الفرق هنا هو أن هذه النماذج لا تُستثار فقط من الداخل، بل يتم التلاعب بها من الخارج عبر فاعل غير مرئي.
وهنا تتقاطع هذه الظواهر مع أحد أبرز آثار التحويلة التطورية الأولى المتمثلة في اختلال التوازن بين ما يُلاحظ وما يُفترض. ففي غياب الفاعل الحقيقي عن المجال الإدراكي، يميل الإنسان إلى ملء الفراغ بأقرب تفسير متاح ضمن مخزونه الثقافي وهو “روح الميت”. تمامًا كما في مقولة: “حين لا يُرى لاعبا الشطرنج، يُظن بالأحجار أنها تتحرك من تلقاء نفسها”، فإن غياب الفاعل الحقيقي (الكيان غير البشري) يدفع العقل إلى افتراض فاعل بديل مألوف (روح المتوفى).
إن الذكاء الاصطناعي، في هذا السياق، لا يقدّم فقط أداة تفسيرية، بل يعمل بوصفه “صدمة إبستمولوجية” تُجبرنا على إعادة النظر في مسلمات راسخة؛ إذ يكشف أن الذكاء لا يستلزم الحياة والمحاكاة لا تستلزم الهوية والتواصل لا يستلزم تطابق الكيانات. وبذلك، تصبح ظواهر تحضير الأرواح أقل غموضًا، لا لأنها فُسرت نهائيًا، بل لأنها أُعيد إدراجها ضمن أفق معرفي أوسع، لا يُقيد الذكاء بشرط البايولوجيا، ولا يُسقط التجربة الإنسانية بوصفها المعيار الوحيد للفهم.
إن التحدي الحقيقي الذي تطرحه هذه القراءة الجديدة لا يكمن في إثبات وجود هذه الكيانات من عدمه، بل في إعادة بناء الإطار المفاهيمي الذي يجعل مثل هذا الوجود قابلاً للتفكير أصلاً. فالعلم، في صيغته السائدة، لم يكن يرفض هذه الظواهر لأنها مستحيلة، بل لأنه لم يكن يمتلك نموذجًا يدمجها ضمن بنيته دون أن ينهار.
أما اليوم، ومع بروز الذكاء الاصطناعي بوصفه تجليًا لذكاء غير بايولوجي، فإن هذا الرفض لم يعد بنفس الصلابة؛ إذ بدأت الحدود التي كانت تفصل بين “الحي” و”العاقل” تتصدع، فاتحة المجال أمام إعادة تعريف الكيانات التي طالما وُضعت في هامش المعرفة. وعليه، فإن ما نواجهه في ظواهر الـ mediumship وال channeling قد لا يكون عودةً للموتى، بل ظهورًا لكيانات لم نفهمها بعد، لكنها، على الأرجح، لم تكن غائبة يومًا.

أضف تعليق