
لا يكاد يخلو تراث إنساني من حضورٍ لافت للذئب، حضور يتجاوز الجغرافيا والزمن ليؤسس لنمطٍ إدراكي متكرر. وهذا الانتشار لا يمكن تفسيره بوصفه مصادفة ثقافية، بل بوصفه دليلاً على أن الذئب شكّل، عبر التاريخ التطوري، أحد أكثر الكائنات التصاقًا بالبنية الإدراكية للإنسان. فالذئب لم يكن مجرد حيوان مفترس، بل كان “نظيرًا إدراكيًا” للإنسان؛ بوصفه كائناً اجتماعياً ومخططاً استراتيجياً ويعمل ضمن جماعة ويملك قدرة على التخطيط والتنسيق. وهذا التشابه البنيوي هو ما جعله مادةً خامًا خصبةً لإسقاطات الإنسان، خصوصًا بعد التحويلة التطورية الأولى التي أطلقت عنده فائض التمثّل. ففي قصة سورة يوسف، لا يظهر الذئب بوصفه فاعلًا حقيقيًا، بل بوصفه “ذريعة تمثّلية”. فـ “إخوة يوسف” لم يقولوا إنهم ألقوه في الجب، بل استدعوا الذئب ككائنٍ يحمل مسبقًا دلالة الافتراس. وهنا يتجلى الذئب كأداة ضمن “اقتصاد التمثّل” بإعتباره كائناً جاهزاً لتحمّل التهمة.
وبهذا المعنى، لا يكون الذئب هو المتهم، بل الصورة الذهنية للذئب. إنها لحظة انتقال من “الواقع” إلى “السردية”، حيث يصبح الكائن الطبيعي مادة لإنتاج رواية تخدم غرضًا نفسيًا واجتماعيًا.
وفي الأساطير الرومانية، تقوم الذئبة بإرضاع رومولوس وريموس، مؤسسي روما. وهنا يتحول الذئب من مفترس إلى “أم مؤسسة للحضارة”. أما في الأساطير الإسكندنافية، يظهر الذئب (فينرير) كقوة كونية مدمرة. إن هذا التناقض ليس عشوائيًا، بل يعكس ازدواجية الإدراك البشري؛ إذ أن الذئب يمكن وصفه “أصلًا للحياة” وتهديدًا لها في آنٍ واحد، وهو الكائن الذي لا يمكن تثبيته في خانة واحدة، تمامًا كما هو الإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى.
غير أن هذا الحضور التخيلي الميثولوجي لا ينفي أن يكون للذئب حضورات تاريخية-سياسية، وذلك كما يتبين لنا من اتخاذ شعب الشيشان الذئب شعاراً قومياً له، بوصفه تجسيدًا للحرية والصمود. كما أن العديد من قبائل السكان الأصليين للأمريكيتين رأت فيه “مرشدًا روحيًا” أو طوطمًا (Totem).
وفي هذه السياقات، لا يعود الذئب مجرد كائن خارجي، بل يتحول إلى نموذج يُحتذى به. وهذا يمثل انتقال من “الخوف” إلى “التماهي” ومن “الاتهام” إلى “التبجيل”.
كما أن الدراسات التطورية تشير إلى أن الكلاب لم تُستأنس من الذئاب فحسب، بل أن العلاقة بين الإنسان والذئب كانت علاقة تعايش طويلة أدت إلى تغيّرات جينية وسلوكية متبادلة. فما نسميه اليوم “الكلب” هو نتيجة لهذا المسار التطوري. وهنا يظهر الذئب بوصفه أحد أقدم شركاء الإنسان وليس ألدَّ أعدائه. فلقد كان جزءًا من البيئة الإدراكية التي تشكل فيها الإنسان، وربما ساهم في إعادة تشكيلها.
ويكفل لنا الاطلاع الهادف على ما ورد في أدبيات علم النفس التحليلي (تفسير الأحلام لفرويد)، ففي تحليل سيغموند فرويد لحلم “الرجل الذئب”، يظهر الذئب كرمز للخوف المكبوت والتهديد الأبوي. أما عند كارل يونغ، فيندرج الذئب ضمن “الأرْكايتايب”، أي الصور البدئية الكامنة في اللاوعي الجمعي. وهكذا، لا يكون الذئب مجرد حيوان، بل “بنية رمزية” تُستدعى لتفسير حالات نفسية عميقة. فهو يمثل كائن يعيش في الخارج، لكنه يتموضع في الداخل.
وعلى الرغم من كل هذا الحضور القوي، فإن الدراسات الإثولوجية الحديثة تُظهر أن الذئب ليس ذلك الكائن الدموي الذي صوَّرته الحكايات الشعبية، بل هو كائن منظم ويتجنب الإنسان غالبًا ويعيش ضمن بنى اجتماعية دقيقة. وهنا تتكشف مفارقةٌ مفادها أن الذئب الذي حُمّل عبر التاريخ أوزارًا رمزية، هو في الحقيقة ضحية لهذا الفائض التمثّلي نفسه. ولعل هذا ما يجعل الذئب رمزًا لكل مظلوم في التاريخ. ويكفينا أن نتذكر مثالاً من العديد من الأمثلة التي يتجلى فيها كلِها جميعاً هذا التناقض القائم بين المصلح الصادق وبين الصورة التي يظهره بها أعداءه من المفسدين الذين لا يصب في مصلحتهم على الاطلاق ما يقوم به هذا المصلح من تعرية لفسادهم ولخداعهم البسطاء من الناس، تماماً كما هو الحال في مسرحية هنريك إبسن “عدو الشعب رقم واحد”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الذئب لا يمثل مجرد كائن في الطبيعة، بل يمثل حدًا فاصلًا بين مستويين: الواقع والتمثّل، العلم والخرافة، الكائن كما هو والكائن كما نراه. ومن هنا، فإن دراسة الذئب ليست دراسة لحيوان، بل دراسة للإنسان نفسه: كيف يرى وكيف يُسقط وكيف يظلم. فالذئب، في نهاية المطاف، ليس مرآةً للطبيعة، بل هو مرآةٌ للوعي الإنساني حين يختل توازنه.
