
لطالما تذبذب تعريف الإنسان بين قطبين: كائن طيني مثقل بالضعف، وكيان متعالٍ يطمح للسيادة المطلقة. وفي ظل التصاعد المعاصر لخطاب “التنمية الذاتية” و”التمكين الفائق”، الذي يحاول تصوير الإنسان كـ “إله فاقد للذاكرة” كل ما يحتاجه هو “الاستيقاظ” ليعيد استرداد ألوهيته المفقودة وقدراته الكلية، يبرز صوت الفيلسوف وعالم الرياضيات الفرنسي الشهير من غياهب القرن السابع عشر بليز باسكال ليعيدنا إلى أرض الواقع بلمسة باردة كقطرة ماء.
فباسكال لم يكن سوداوياً حين وصف الإنسان بأنه “أضعف كائن في الطبيعة”، بل قام بتشريح وضعنا الوجودي. فلقد شبَّه الإنسان بـ “القصبة” (Roseau)، وهي نبتة رقيقة تهتز لأدنى ريح. وقد ذهب أبعد من ذلك حين أشار إلى أن قطرة ماء، أو بخاراً بسيطاً، كافٍ لقتل هذا الكائن الذي يظن نفسه مركز الكون. لكن عبقرية باسكال تكمن في قوله “الإنسان ليس إلا قصبة، هي الأضعف في الطبيعة، ولكنه قصبة مفكرة.” إن هذه الهشاشة ليست عيباً تقنياً، بل هي جوهر التكوين البشري. فـ “قطرة الماء” التي قد تنهي حياة الإنسان، لا تملك وعياً بما فعلت، بينما الإنسان يدرك موته، وهنا يكمن تفوقه المفارق؛ إذ انه يتفوق على قاتله، وذلك بإدراكه لضعفه. وفي المقابل، تروج الثقافة المادية المعاصرة لمفهوم الإنسان الذي لا يحده حد، معتبرة أن كل ضعف هو مجرد “عائق نفسي” يمكن تجاوزه. وهذا الاتجاه يحاول إقناع الفرد بأنه “إله محبوس في جسد”، وأن “الهشاشة الإنسانية” هي مجرد وهم أو نقص في المعرفة بالذات.
إن المبالغة في تمجيد الإنسان لدرجة التأليه تجعله يعيش في حالة من “الاغتراب الوجودي”؛ فهو يرفض بشريته، ويرفض حقيقة أنه “قطرة” في محيط الوجود، مما يولد لديه قلقاً دائماً ناتجاً عن الفجوة بين “الأنا الإلهية المتخيلة” و”الجسد الهش الواقعي”.
إن استعارة مصطلح “هشاشة الإنسان” ليست دعوة للاستسلام أو الشعور بالمذلة، بل هي دعوة لـ “الأصالة”. فالإنسان ليس إلهاً تنقصه الذاكرة، بل هو كائن محدود يملك تطلعات لانهائية. فهشاشتنا هي التي تجعلنا نحتاج الآخرين، وهشاشتنا هي ما يجعل للزمن قيمة، وهشاشتنا هي المحرك للإبداع والعلم لمحاولة فهم “القطرة” وموقعها من “المحيط”.
فبين وعيد الطبيعة الذي تمثله “قطرة الماء” وبين غرور “تأليه الذات”، يبقى الإنسان “قصبة مفكرة” كما أرادها باسكال. فاعترافنا بضعفنا البشري هو أول خطوات الوعي الحقيقي؛ فنحن لسنا آلهة فاقدة للذاكرة، بل نحن بشرٌ يجدون معناهم في صراعهم مع عجزهم، وفي قدرتهم على التفكير رغم الهشاشة، تماماً كما تتلألأ الشمس في قطرة ماء قبل أن تجف.
