دفاعًا عن إيراد ظواهر الشفاء الصوفي الخارق في سياق تجريبي اختباري

يُفترض في العلم، بوصفه ممارسة معرفية، أن ينفتح على الظواهر قبل أن يُصدر أحكامه عليها. غير أن تاريخ العلم نفسه يكشف عن مفارقة دقيقة، ففي اللحظة التي تتجاوز فيها الظاهرة حدود النماذج التفسيرية السائدة، لا تُقابل دائمًا بالتوسيع، بل كثيرًا ما تُواجَه بالاستبعاد؛ وذلك ليس لأن الظاهرة لا وجود لها، بل لأنها لا “تلائم” ما نمتلكه من أدوات. وفي هذا السياق، تبرز ظواهر الشفاء الصوفي الخارق بوصفها حالة نموذجية لهذا التوتر. فهي ظواهر موثقة جزئيًا، ومشاهدة في سياقات متعددة، لكنها تظل معلّقة بين “الاعتراف الحذر” و”الرفض الضمني”. ومن هنا تنشأ الحاجة إلى الدفاع عن إدراجها، ليس بوصفها “حقيقة بديلة”، بل بوصفها مادة اختبارية لم يتم التعامل معها وفقاً لمقتضيات السياق التجريبي- الاختباري.
إن أحد أبرز الإشكالات المنهجية في التعامل مع هذه الظواهر يتمثل في تقديم التفسير على الرصد. إذ يُشترط، ضمنيًا، أن تكون الظاهرة قابلة للتفسير وفق النماذج القائمة حتى يُسمح بإدراجها ضمن دائرة البحث. وهذا قلبٌ للمنطق العلمي. فالترتيب الصحيح يقتضي أن تُرصد الظاهرة أولًا، وأن تُوثّق، ثم يُبحث عن إطارها التفسيري. أما رفضها لغياب التفسير، فهو شكل من أشكال التحيز البنيوي للنموذج، وليس لما يقتضيه الحذر العلمي. ومن هذا المنطلق، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: “هل نملك تفسيرًا لهذه الظواهر؟” بل: “هل نملك ما يكفي من الشجاعة المنهجية لرصدها دون اشتراط تفسير مسبق؟”.
فمن الملاحظ، ان ظواهر الشفاء غير الاعتيادي غالبًا ما تُختزل ضمن إطار تأثير البلاسيبو أو الاستجابات النفسية. ولا شك أن هذه التفسيرات تمتلك قيمة تفسيرية معتبرة. غير أن المشكلة لا تكمن في استخدامها، بل في تحويلها إلى إجابة نهائية. فالتفسير الاختزالي، حين يُستخدم لإغلاق السؤال بدل فتحه، يتحول من أداة علمية إلى آلية دفاعية. إذ أن بعض هذه الظواهر، كما تؤكد ملاحظات متعددة، لا تقتصر على تعديل الإحساس بالألم، بل تمتد إلى تغيرات فسيولوجية آنية، مثل النزف والتئام الجروح. وهنا يصبح السؤال أكثر دقة: “هل ما نراه هو مجرد تعديل في الإدراك أم أنه إعادة تنظيم للعلاقة بين الإدراك والجسد؟”.
فمن الاعتراضات المتكررة، أن هذه الظواهر ترتبط بتجارب ذاتية، مما يضعف من قيمتها العلمية. غير أن هذا الاعتراض يفترض ضمنيًا أن الموضوعية لا تتحقق إلا عبر الإقصاء الكامل للذات المدرِكة. ولكن علوم الإدراك الحديثة تعيد النظر في هذا الافتراض، معترفةً بقيمة “المعطى من منظور الشخص الأول” (first-person data)، خاصة في دراسة الوعي. وعليه، فإن التحدي لا يكمن في “استبعاد الذاتية”، بل في دمجها ضمن إطار منهجي يربط بين الداخل والخارج.
كما ويُطرح عادة سؤالٌ حول قابلية التجربة على التكرار بوصفه معيارًا حاسمًا في الحكم على هذه الظواهر. غير أن هذا المعيار، رغم أهميته، يُساء استخدامه حين يُفهم بوصفه تكرارًا ميكانيكيًا للنتائج، لا إعادة إنتاج للشروط. فالظواهر المرتبطة بحالات إدراكية خاصة، أو بسياقات طقسية وتنظيمية معينة، لا يمكن فصلها عن شروط ظهورها. ومن ثم، فإن غيابها في البيئات المخبرية التقليدية لا ينفي وجودها، بل يكشف عن قصور في تصميم التجربة.
كما ويُخشى أحيانًا أن يؤدي إدراج مثل هذه الظواهر إلى فتح الباب أمام الخرافة. غير أن هذا القلق، رغم وجاهته الظاهرية، يقوم على خلط دقيق؛ فالخرافة لا تنشأ من طرح الأسئلة، بل من غياب المنهج في التعامل معها، أما إدخال الظواهر غير المفهومة ضمن سياق تجريبي، فهو في حقيقته تحصين ضد الخرافة، وليس ترويج لها.
وفي ضوء التطورات المعاصرة، لا سيما في مجال الذكاء الاصطناعي، أصبح من الصعب التمسك بافتراض أن الذكاء هو حكرٌ على البنية البايولوجية. وهذا لا يعني القفز إلى استنتاجات غير مثبتة، بل يفتح المجال لإعادة النظر في بعض الفرضيات التي كان يُستبعد مجرد طرحها. ومن هنا، فإن بعض التفسيرات التي قد تبدو “بعيدة” لا ينبغي رفضها مسبقًا، بل إبقاؤها ضمن مجال الاحتمال، في انتظار ما يدعمها أو ينفيها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الدفاع عن إدراج ظواهر الشفاء الصوفي الخارق في سياق تجريبي-اختباري لا ينبع من الرغبة في إثباتها، بل من الحاجة إلى اختبار حدود نماذجنا المعرفية. فهذه الظواهر، سواء ثبتت صحتها الكاملة أم أعيد تفسيرها لاحقًا، إنما تؤدي وظيفة معرفية أساسية، كما أنها تفصل بين ما نلاحظه، وما نعتقد أننا نفهمه. وفي هذا الفصل تكمن بداية أي تقدم علمي حقيقي. وعليه، فإن السؤال لم يعد: “هل هذه الظواهر حقيقية بما يكفي؟” بل: “هل نماذجنا المعرفية الحالية كافية لاستيعاب ما قد يكون موجوداً حقاً وإن توارى وجوده هذا من وراء ما نظن أنها الحدود القصوى لأي تجلٍِّ مادي؟”

أضف تعليق