حقيقةُ الأشياء كما تجلِّيها قصةُ عصا موسى في القرآنِ العظيم

ينطوي سؤالُ الله للنبي موسى “وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى” على طائفةٍ من الحقائق التي لا يجلِّيها الاكتفاءُ بتفسيرٍ قاموسي للكلماتِ القرآنيةِ الكريمة التي يتشكل منها هذا السؤال. فإذا كان النبي موسى قد سارع إلى الإجابةِ التعريفية بما كان في يُمناه، فقال “هِيَ عَصَايَ”، فإنَّ إجابته عن هذا السؤال ما كانت لتتصفَ بهذا اليقين المطلق، ولا كانت لتنطلقَ كلماتُها بهذه الفورية، لو أنه سئل عنها من بعد أن صيَّرها اللهُ تعالى “حَيَّةً تَسعى”. فأيُّ الهويتَين كانت هي حقيقةُ تلك العصا- الأفعى؟ هل كانت هي مجرد عصا؟ وهل كانت الأفعى مجرد أفعى؟
لابد وأنَّ البعضَ يُخيَّل إليه أنَّ الاستغراق في هكذا حديث، والاستزادة منه، هو ضربٌ من سفسطةٍ لا طائل من ورائها. ولكن لو أنَّ هذا البعضَ تروى وتريَّث قليلاً لفهم وأعذر. فالنبي موسى رأى رأيَ العين العصا وهي تستحيلُ “ثُعباناً مُبيناً”، كما ورأى هذا الثعبان يُعادُ سيرتَه الأولى ليصبح عصاً تارةً أخرى. ولذلك فليس من المبالغةِ القول بأنَّ النبي موسى، وهو يسترجع أحداثَ ذلك المشهد عند نارِ “الوادي المقدس طوى”، قد تبيَّنَ له مغزى سؤالِ الله تعالى له “وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى”. فلقد أصبح النبي موسى يدرك أنه ما كان يجدر به المسارعة للإجابة بقولِه “هي عصاي”، أما وقد تبين له فيما بعد أنَّ “عصاه” قد استحالت “ثعباناً”. ولذلك فلقد تبيَّنَ النبي موسى أنَّ ما عليه الأشياء من حقيقة هو هبةٌ مُعارة من الله؛ فإن شاء اللهُ أبقاها عليها، وإن شاء سلبها إياها وصيَّرها كما يشاء. كيف لا وهو الذي يقولُ للشيءِ إذا أراده “كُن فيكون”.
فليست عصا موسى هي وحدها مَن لا تملك ما هي عليه من حقيقة، ولكن كلَّ ما في الوجود من موجود هو كعصا موسى في افتقارِه إلى الله الذي هو وحده مَن بيدِه ملكوتُ كلِّ شيء ومَن بيده حقيقةُ كلِّ شيء. فسبحان الذي لا وجودَ لشيءٍ على ما هو عليه إلا لأنه هو مَن أسبغَه عليه.

أضف تعليق