
من الناحية الميتافيزيقية، الله واحد، ولكن من الناحية الإدراكية، يبدو أن هناك “آلهة” بعدد أنفس البشر. فكل إنسان حين ينطق بكلمة “الله”، فإنه يستحضر في ذهنه شبكة معقدة من الصفات والمشاعر والتوقعات التي صاغتها تجربته الشخصية. وهنا تكمن المفارقة التي مفادها أننا لا نصف الله كما هو في ذاته، بل نصفه كما “نراه” من خلال عدسة أنفسنا. فعندما يُسأل شخص عن تعريف الله، فإنه يبحث في مخزونه القيمي. فالشخص الذي يعيش في صراع دائم مع الظلم، سيعرِّف الله بأنه “العدل المنتقم”. والنفس التي تعاني من وطأة الشعور بالذنب، ستعرِّفه بأنه “الغفور الرحيم”. والعقل المنظم الذي يقدس القوانين، سيعرِّفه بأنه “المهيمن والمحرك الأول”. إن هذه التعريفات ليست مجرد حقائق لاهوتية، بل هي “احتياجات نفسية” تم إسقاطها على الذات الإلهية. فنحن نبحث في الله عما نفتقده في أنفسنا أو عما نخشاه في واقعنا. فالإنسان، ككائن اجتماعي يخشى التفرد في التصور، يستعير “التعريفات الجاهزة” التي تواضع عليها المجتمع. وهذا الالتزام بالمسلَّمات والبديهيات يمثل “القشرة الخارجية” للتعريف؛ إذ أنه نوع من التكيف مع الإجماع لضمان الانتماء، حتى وإن كانت هذه الأوصاف لا تلامس خبرة الفرد التدينية الحقيقية. وهنا يصبح التعريف “قناعاً” يخفي خلفه التصور الحقيقي (والشخصي جداً) لله. حيث إننا نغلف المطلق بكلماتنا المعتادة، لنروض عظمته ونجعلها قابلة للاحتواء داخل أطرنا المعرفية الضيقة.
إن المقاربة التحليلية تؤكد أن تعريف الشخص لله يكشف عن:
1. خلفيته السلطوية: فهل هو يرى الله كأب حانٍ أم كقاضٍ صارم؟ (وهذا غالباً ما يعكس علاقة الفرد بمفهوم السلطة في طفولته).
2. درجة التسامح لديه: فالإنسان الضيق الأفق غالباً ما يرسم إلهاً “إقصائياً”، بينما النفس المنفتحة ترى الله “واسعاً” تسع رحمته الجميع.
3. مستوى القلق الوجودي: هل تعريفه يركز على “الأمان والسكينة” أم على “الرهبة والوعيد”؟
وهنا لابد وأن تُستحضَر عبارة “الله أكبر”؛ إذ أنها، وفي هذا السياق، لا تُفهم “الله أكبر” كمجرد شعار ديني، بل كضرورة معرفية (Epistemological Necessity) . فهي تذكير دائمٌ لنا بأن الله “أكبر” من تعريفاتنا، وهو “أكبر” من لغتنا، وأنه “أكبر” من تحيزاتنا الشخصية. فـ “الله أكبر” هي المعول الذي يهدم الأصنام الذهنية التي صنعناها عندما ظننا أننا أحطنا بالخالق في جملة أو تعريف. فكلما توهمنا أننا عرفناه، جاءت “الله أكبر” لتقول لنا: “لقد عرَّفتَ نفسَك، أما الله فلا يزال أكبر من كل وصف”.
