تجربة كليفلاند وحدود التفسير… حين يتحدّى الجسد النموذج

حين نواجه ظواهر من قبيل ممارسات الشفاء الصوفي، ولا سيما تلك التي تنطوي على اختراق الجسد دون ضرر ظاهر، نجد أنفسنا غالبًا أمام خيارين متعارضين ظاهريًا، لكنهما يتشاركان في اختزال الظاهرة: إما أن نُدرجها ضمن “المعجزات”، وفقاً للتعريف التقليدي لها، أو أن نُعيد تأويلها بوصفها مجرد عمليات فيزيولوجية عادية. غير أن كلا الخيارين، على تباعدهما، يعانيان من القصور ذاته. فالمشكلة ليست في أن هذه الظواهر خارقة للطبيعة، بل في أن النماذج التفسيرية التي نمتلكها قد لا تكون كافية بعد.
لفهم الإشكال، ينبغي أولًا تحديد موضوع التفسير بدقة. فنحن لا نتعامل مع حادثة مفردة، بل مع نمط متكرر يتسم بعدة خصائص متلازمة:
• اختراق متكرر للجسد
• ألم محدود أو شبه غائب
• غياب شبه تام للنزف الخارجي
• انخفاض ملحوظ في معدلات العدوى
• سرعة في التعافي
• درجة من الاتساق بين المشاركين
والمفارقة هنا أن كل عنصر من هذه العناصر، عند عزله، يمكن تفسيره ضمن الأطر العلمية المعروفة. وهذا هو تحديدًا مكمن قوة المقاربة الاختزالية. غير أن السؤال الحاسم يظل قائمًا: “هل يكفي تفسير الأجزاء لتفسير الكل؟”.
يقدّم العالم النمساوي بيتر مولاج نموذجًا واضحًا لهذا الاتجاه، إذ يرى أن الظاهرة يمكن تفسيرها عبر:
• قابلية الألم للتعديل.
• مرونة الأنسجة وإمكانية اختراقها دون تمزق .
• تقليل مخاطر العدوى للحد الأدنى عبر شروط معينة.
ومن ثم يخلص إلى ما مفاده أنه “لا يوجد في هذه الظواهر ما هو استثنائي”.
وعلى الرغم من وجاهة هذا الطرح في ظاهره، فإنه يقوم على افتراض جوهري لم يجرِ فحصه، مفاده أن الظاهرة ليست سوى مجموع مكوناتها. غير أن ما نواجهه هنا لا يتمثل في آليات منفصلة، بل في تكامل منسق لهذه الآليات ضمن شروط محددة. وهذا التكامل هو ما يظل خارج نطاق التفسير.
وعند مناقشة هذه الظواهر، تتكرر مجموعة من الاعتراضات التي تبدو للوهلة الأولى حاسمة، ولكنها عند التدقيق، لا تتجاوز كونها إعادة صياغة للمشكلة.
فمثلًا، يُقال إن الاختراق يتم ببطء مما يمنع حدوث الضرر، غير أن هذا لا يفسر سبب تحقق ذلك بدرجة عالية من الاتساق.
ويُقال إن الألم قابل للتحكم، وهو أمر قد يكون صحيحاً، في بعض الحالات، كما هو الحال في تلك الممارسات التي يقوم بها بعض المتدربين اللذين يستغرقون وقتاً طويلاً في تعلم تقنيات التحكم بالألم (Pain Control)، لكن الظاهرة لا تقتصر على الألم، بل تشمل استجابة الأنسجة واستقرار الجهاز المناعي وسرعة التعافي.
كما ويُستدل بغياب النزف الخارجي على غياب الخطر، مع أن الملاحظات تشير إلى وجود نزف داخلي محدود، والسؤال الحقيقي هو: لماذا لا يتطور هذا النزف إلى مضاعفات؟
أما الاستشهاد بحالات مثل مؤدي حركات التحكم بالجسم البلجيكي ميرين داخو  Mirin Dajo، فإنه يفتح إشكالًا أعمق بدل أن يحسمه مفاده “لماذا تظهر هذه الظواهر بدرجة من الاستقرار داخل سياقات معينة، وتفشل خارجها؟”. إن هذه ليست إجابات، بل إزاحة للسؤال بدل مواجهته.
لقد بيّنت العلوم الحديثة، في مجالات متعددة، أن الأنظمة المعقدة لا يمكن فهمها عبر تحليل مكوناتها بمعزل عن تفاعلها فيما بينها. ففي علم الأعصاب، يتحدد الألم عبر التوقع والسياق، وفي علم النفس العصبي-المناعي، تتأثر المناعة بالحالة الذهنية، وفي الأنثروبولوجيا، لا يُنظر إلى الطقوس بوصفها رموزًا فحسب، بل كنظم تنظيمية تؤثر في الجسد ذاته. وعليه، فإن ما نواجهه قد لا يكون حدثًا ميكانيكيًا بسيطًا، بل نظامًا متكاملًا يجمع بين البعد النفسي والبايولوجي والاجتماعي
فإذا كان السؤال التقليدي هو: “كيف ينجو الجسد من الاختراق؟” فإن السؤال الأجدر بالطرح هو: “تحت أي شروط يعيد الجسد تنظيم استجابته للإصابة؟”. وهذا التحول في السؤال يفضي إلى إعادة صياغة الإشكال برمّته. فنحن لم نعد أمام فيزيولوجيا معزولة، بل أمام ديناميات متكاملة بين الجسد والعقل والسياق. وبهذا المعنى، لا تكون الظاهرة خارقة، لكنها أيضًا ليست عادية. إنها حالة حدّية تكشف تخوم النموذج التفسيري.
تُحيل هذه الظواهر، في سياق أوسع، إلى تحوّل أعمق في طبيعة الإنسان ذاته. فلم يعد الجسد يعمل ضمن ما يمكن تسميته “اقتصاد الطبيعة” الصرف، بل ضمن حقل موسّع يتداخل فيه الإدراك والمعنى والبنية الرمزية. وفي حالات نادرة، كما في الظواهر قيد الدراسة، فإننا قد نشهد اصطفافًا مؤقتًا بين البنية التمثلية والوظيفة البايولوجية. وهو ما لا يمثل خرقًا للطبيعة، بل إعادة تشكيل لعلاقتنا بها.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الإشكال لا يكمن في أن هذه الظواهر تتجاوز العلم، بل في أن العلم لا يزال يحاول تفسير الإنسان في سياقات لما يتكيف معرفياً معها بعد، باستخدام نموذج غير مكتمل للجسد. ومن ثم، فإن الموقف العلمي الأكثر اتساقًا هو ليس الادعاء بأن كل شيء مفهوم، بل الاعتراف بأن الفهم “لا يزال في طور التشكل”. فليست المشكلة أن هذه الظواهر عصية على التفسير، بل في أن التفسير نفسه لم يكتمل بعد.

أضف تعليق