عمانوئيل كانط… هل تشفع “الثورة الكوبرنيكية” للسقوط الأخلاقي؟

لا يختلف اثنان على أن عمانوئيل كانط هو “ساعة كونونيغسبرغ” التي ضبطت إيقاع الفلسفة الحديثة. لكن، وبينما كان يضع الأسس للكرامة الإنسانية في “نقد العقل العملي”، كان يخط بيمينه في كتاباته عن الأنثروبولوجيا والجغرافيا الطبيعية تصنيفات عرقية تضع “الرجل الأبيض” في قمة الهرم الإنساني، وتصف الآخرين بـ “المتوحشين” العاجزين عن إنتاج الثقافة.
إن أكثر الحجج تهافتاً هي تلك التي تحاول “تبييض” عنصرية كانط بادعاء أنه كان مجرد صدى للمناخ الفكري في القرن الثامن عشر. فهذه الحجة تفشل أمام منطقين:
1. الانتقائية الثورية: لماذا كان كانط “ابن عصره” في العنصرية، بينما كان “سابقاً لعصره” في هدم الميتافيزيقا التقليدية؟ الفيلسوف الذي امتلك الجرأة لقلب علاقة الذات بالموضوع، وادعى أن العقل هو من يُشرِّع للطبيعة، لا يمكنه التذرع بـ “العدوى الفكرية” عندما يتعلق الأمر بالتصنيف المزعوم للبشر وفقاً لأعراقهم.
2. واجب الكونية: فلسفة كانط الأخلاقية تقوم على “الأمر المطلق” وهو استخدم الإنسانية في شخصك، وفي شخص كل فرد آخر، دائماً كغاية، وليس كوسيلة أبداً. فإذا كانت قوانين العقل “كونية” (Universal)، فإن استثناء أي عرق منها يسقط النسق الفلسفي الكانطي بأكمله في فخ التناقض المنطقي.
إن تاريخ الفكر لا يصنعه المرددون للأفكار السائدة، بل الجسورون الذين لا يضيرهم في شيء أن ينفردوا عن السرب برأيٍ يخالف ما أجمعت عليه الغالبية العظمى من البشر. إن نماذج مثل جوردانو برونو الذي واجه المحرقة لأجل قناعاته الكونية، وداروين الذي تحدى الإجماع الديني والعلمي في عصره، يثبتون أن “الفيلسوف الحقيقي” هو من يفكك المسلَّمات، في حال كونها خاطئة، لا من يقتات عليها، من بعد مما تبين له فسادها وبطلانها. فلقد كان بإمكان كانط، انطلاقاً من مبادئه الصارمة حول الحرية والاستقلال الذاتي (Autonomy)، أن يكون أول من ينادي بالمساواة العرقية، لكنه اختار أن يوظف جهازه المفاهيمي لشرعنة القول بالدونية العرقية.
إن عنصرية كانط لم تكن مجرد تعليقات هامشية، بل كانت “تنظيراً” منهجياً. لقد اعتقد كانط بوجود طبائع جوهرية ثابتة للأعراق، مما يجعل دفاع المعتذرين عنه محاولة بائسة لفصل “الرجل” عن “فلسفته”، وهي محاولة غير منطقية لأن الفلسفة هي نتاج الوعي، وعنصرية الوعي تلوث نتاجه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن نقد كانط اليوم لا يمثل محاولة “لإلغائه”، بل هو ضرورة لتطهير العقل البشري من التبجيل الأعمى. إن احترامنا لعقله في “نقد العقل الخالص” لا يجب أن يمنعنا من إدانة سقوطه في “اختبار الإنسانية”. إن الحقيقة لا تحابي أحداً، والجرأة على المعرفة (Sapere Aude) التي نادى بها كانط، يجب أن توظف أولاً لنقده هو شخصياً.
وفي ختام هذه المقالة لا أجد أفضل من كلمات كانط نفسه لإدانته بجناية العنصرية المقيتة. ففي معرض تذكره لزميل له كان يواظب على مخالفته الرأي قال كانط: “لقد كان هذا الزميل أسوداً تماماً من رأسه حتى أخمص قدميه، وهذا دليل جلي على أن ما قاله كان غبياً”. كما واتوجه الى أولئك الذين يصرون على التماس الاعذار لكانط بذريعة مفادها أنه كان ابن عصره الذي عدَّ “النقاء العرقي” و”التمايز العنصري” و”الفروقات المعرفية بين الأعراق والاجناس المختلفة” من حقائق العلم التي لا يرقى إليها شك، بألا ينسوا أن واحداً من معاصري كانط مثل الفيلسوف جورج فورستر الذي فعل كما فعل آخرون من امثاله حين سافروا الى افريقيا وشاهدوا بأعينهم الفظاعات التي كان يرتكبها الرجل الأبيض بحق المتوحشين السكان الأصليين للأرض، فخرجوا على الاجماع الديني والفلسفي والاجتماعي آنذاك فجاهروا بانتقاد المركزية الأوروبية.

أضف تعليق