جدران المعرفة… لماذا نخشى التفسير الشامل للطبيعة البشرية؟

تحليل في سايكولوجيا النقد المسبق لكتاب “الحرب والسلام والطبيعة البشرية” ونظائره
حينما تُصدر مطبعة جامعة أكسفورد عملاً ضخماً مثل War, Peace, and Human Nature (الحرب والسلام والطبيعة البشرية)، فإنها لا تقدم مجرد كتاب، بل تطرح “مختبراً معرفياً” يسعى لصهر التخصصات المنعزلة في بوتقة واحدة. ورغم نبل المسعى، يصطدم القارئ (سواء كان أكاديمياً أو مثقفاً عاماً) بجدار من التحيزات المسبقة التي تجعله يتخذ موقفاً دفاعياً قبل استيعاب الأطروحة. إن هذه المقالة تستعرض الأسباب التي تجعل من “البايولوجيا التطورية”، تحديداً، مادة خصبة لسوء الفهم العمدي والنفور المعرفي.
وأول حاجز نفسي يواجه القارئ هو الخلط بين “التفسير البايولوجي” و “التبرير الأخلاقي”. فبمجرد أن يلمح القارئ حديثاً عن “الجذور التطورية للعنف”، حتى ينشط لديه دفاع تلقائي مفاده: “إذا كان العنف فطرياً، فهل نحن معذورون؟”. إن هذا الخوف من فقدان “الإرادة الحرة” يجعل القارئ يرفض الكتاب ليس لخطأ في بياناته، بل لأن نتائجه، في نظره، تهدد البناء الأخلاقي للمجتمع. فيتحول النقد هنا من نقد للمنهج إلى “محاكمة نوايا”، حيث يُتهم مؤلفو هذا الكتاب بالترويج لليأس من الإصلاح البشري.
فلا توجد منطقة في العلم الحديث مشحونة إيديولوجياً بقدر البايولوجيا البشرية. فالقارئ المعاصر يعيش في استقطاب حاد بين تيار يرى الإنسان “صفحة بيضاء” تشكلها الثقافة والتربية فقط، وتيار يرى أثر الوراثة. وأي محاولة (مثل محاولة دوجلاس فراي وزملائه) لإيجاد منطقة وسطى فإنها ستُهاجم من الطرفين. والنتيجة أن القارئ المنحاز لإيديولوجيا معينة سوف يرى في أي ذكر للبايولوجيا “مؤامرة يمينية”، وفي أي ذكر للثقافة “تمييعاً يسارياً”، مما يجعل الكتاب الموسوعي يقع في مرمى نيران الجميع بدلاً من أن يكون جسراً للتواصل بين الجميع.
إن الموسوعية بطبعها تكسر الحدود، والقارئ المتخصص غالباً ما يشعر بـ “الارتباك” أمام هذا الخرق. فنحن نعيش في عصر “التخصص الدقيق”، وعندما يأتي كتاب يجمع بين علم الآثار وعلم النفس والبايولوجيا، فإن القارئ المتخصص يشعر أن “منطقته السيادية” قد استُبيحت من قِبل “دُخلاء”. وبدلاً من مناقشة الرؤية الكلية، فإن الناقد يبحث عن ثغرة صغيرة في تخصصه الدقيق داخل الكتاب ليستخدمها كدليل على “فشل المشروع بالكامل”، وهي مغالطة منطقية شائعة تهدف لحماية الحدود التقليدية للمعرفة.
ولكن، لماذا لا نرى هذه الشراسة النقدية في الكتب التي تتناول الفيزياء الكونية مثلاً؟
تكمن الإجابة في أنه وبينما تدرس الفيزياء “الأشياء”، فإن البايولوجيا التطورية تدرسنا “نحن البشر”؛ إذ أنها تعيد تعريف مفهومنا عن الحرب والتعاون والمنافسة. وهنا، يميل القارئ إلى الشعور بالإهانة إذا ما تم تفسير ظواهر بشرية معقدة (مثل التضحية أو السلام) بآليات تطورية بسيطة. وهذا الشعور بـ “الاختزال” يولد استجابة عاطفية غاضبة تتخفى من وراء لبوس النقد العلمي.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الشراسة النقدية التي قوبل بها كتاب War, Peace, and Human Nature هي في الواقع شهادة على خطورة وأهمية الأسئلة التي يطرحها. فاتخاذ موقف سلبي مسبق من المقاربات التطورية هو انعكاس لخوفنا من مواجهة حقيقتنا ككائنات بايولوجية وثقافية في آن واحد. إن تجاوز هذه الظاهرة يتطلب قارئاً يملك “شجاعة معرفية” تقبل باحتمالية أن تكون طبيعتنا البشرية أكثر تعقيداً (وأحياناً أكثر بساطة) مما تمليه علينا إيديولوجياتنا المسبقة. وبذلك تمثل هذه المقالة دعوة، من جديد، لتبني مقاربة معرفية جديدة تقوم على أساس من قراءة للظاهرة الإنسانية متحررة، قدر الإمكان، من المواقف المسبقة.

أضف تعليق