
خير العقول هي تلك التي لا تتسرع في التصديق، ولا تتعجل في الرفض. وهذه العقول هي التي تصلح لأن تتعامل مع أي ظاهرة تستفز العقل وتضطره لمواجهة عجزه عن التعليل لها. وكمثال على هكذا ظاهرة، فإن بوسعنا ان نأخذ تجربة كليفلاند التي تتمثل في تعريض ظاهرة عريقة لكل ما يقتضيه البحث العلمي المنهجي من صرامة ودقة موضوعية. وهذه الظاهرة العريقة هي الشفاء الصوفي الخارق. فتجربة كليفلاند هي مثال على تفاعل بين العراقة، ممثلة بهذه الظاهرة، وبين المعاصرة التي تتمثل في النظام التجريبي-الاختباري الذي دُرست هذه الظاهرة بمقتضى ما يوجبه. فحين تُدرس هذه الظاهرة في المختبر، وفي سياق تجريبي هو ذاته الذي تُخضع له أي ظاهرة من ظواهر العالم التي أفلح العلم في التعليل لها، فإننا لن نصل إلى ما يُعيننا على أن نعلل لها كما نجحنا في التعليل العلمي لغيرها من الظواهر التي منها تشكَّل العلم. فالشفاء الصوفي الخارق هو عبارة عن ممارسات صوفية تتضمن اختراقًا متعمدًا للجسد دون أي ضرر ظاهر. فللوهلة الأولى، تبدو هذه الظواهر وكأنها تفرض علينا خيارًا تقليديًا: إما أن نصنفها ضمن “المعجزات”، أو أن نختزلها إلى عمليات فيزيولوجية معروفة. غير أن ما تطرحه هذه المقالة هو أن كلا الخيارين سابق لأوانه، ليس لأن الظاهرة خارقة للطبيعة، بل لأن نماذجنا التفسيرية قد لا تكون مكتملة بعد.
فنحن لا نتعامل مع حادثة منفردة، ولا مع رواية تفتقر الى القدرة على تكرار الحدوث. فنحن أمام نمط متكرر، يتضمن عناصر متلازمة، هي كما يلي:
• اختراق متكرر للجسد (الخدود، الأطراف، الجذع)
• غياب أو انخفاض ملحوظ في الإحساس بالألم
• نزف محدود أو شبه معدوم
• انخفاض معدلات العدوى
• التئام سريع للجروح
• درجة من الاتساق بين المشاركين والتجارب
وهنا يجب الاعتراف بحقيقة مهمة مفادها أن كل عنصر من هذه العناصر، إذا نُظر إليه بمعزل، هو قابل للتفسير.
فالسيطرة على الألم، قابلة للتفسير من قبل علم الأعصاب، حيث أنه يقدم آليات تتكفل بذلك. وقلة النزف، أو انعدامه، فإن تقلص الأوعية الدموية يفسره. أما مرونة الأنسجة فإنها ممكنة في ظروف معينة. كما أن المناعة، تتأثر بالحالة الفيزيولوجية والنفسية للفرد.
ولكن السؤال الحقيقي هو: “هل يمكن لنموذج واحد أن يفسر تلازم هذه العوامل جميعًا، ضمن سياق طقسي محدد ومتكرر؟”
وهنا تبدأ الإشكالية.
فالعلم المعاصر بارع في تفكيك الظواهر؛ حيث أنه يعزل المتغيرات، ويفسر الأجزاء. لكن خلف هذا النجاح يكمن افتراض غير مُعلن مفاده أن تفسير الأجزاء يعني تفسير الكل. وهذا الافتراض ليس صائباً على الدوام. ففي الأنظمة المعقدة، تظهر أنماط ناشئة (emergent patterns) لا يمكن ردّها إلى مكوناتها دون فقدان معناها. ففي حالة تجربة كليفلاند، فإننا لا نرى مجرد تزامن عشوائي لعوامل فيزيولوجية. بل نرى تركيبًا مستقرًا، نمطًا يعيد إنتاج نفسه ضمن شروط محددة. فالاختزال هنا لا يفشل لأنه خاطئ، بل لأنه غير كافٍ.
والآن، نصل إلى نقطة غالبًا ما يتم تجاهلها؛ والتي تتمثل في التعامل مع الطقوس بوصفها مجرد خلفية. فوفقاً لما يظهره الواقع، فإن الطقوس قد تكون جزءًا بنيويًا من الظاهرة. فالممارسات الصوفية ليست أداءات عشوائية، بل هي منظمة بدقة ومتكررة وترتبط بأنظمة اعتقادية تؤثر في الانتباه والتوقع والتنظيم الجسدي. فمن منظور علم الأعصاب المعاصر، فإن هذه ليست تفاصيل ثانوية؛ حيث أن هذه الظروف قادرة على التحكم بالألم وإعادة تنظيم الجهاز العصبي اللاإرادي والتأثير في الجهاز المناعي. ولكن حتى هذا لا يكفي. فالسؤال هو ليس مجرد “هل تؤثر الطقوس في الجسد؟”، لكن السؤال هو “كيف تنتج هذه الطقوس استجابات دقيقة ومتكررة إلى هذا الحد، رغم الطبيعة التدخلية العنيفة للفعل (الاختراق الجسدي)؟” فنحن لسنا أمام حالةٍ من “الاسترخاء العام”، بل أمام نتائج فيزيولوجية موجّهة بذكاء ودقة.
