
حين يحاول علم الاجتماع أو الجغرافيا الاقتصادية أو علم النفس السياسي تفسير السلوك الإنساني، فإنه غالبًا ما ينطلق من فرضية مريحة مفادها أن الإنسان “ابنُ مرحلته”؛ كائنٌ يتشكل وفق شروطها، ويتصرف بما تمليه بنيتها. غير أن هذه الفرضية، على ما تمنحه من قدرة تفسيرية داخل سياقات محدودة، تبدأ بالتآكل كلما واجهنا لحظات تاريخية تنفلت فيها الأفعال البشرية من أي انتظام معقول، أو من أي ضرورة وظيفية يمكن ردّها إلى “روح العصر”. ففي مثل هذه اللحظات، لا يبدو الإنسان كائنًا يتكيّف مع مرحلته، بل كائنًا يكشف عن شيء أقدم منها وأعمق منها، وربما أكثر ثباتًا منها.
لنأخذ مثالًا كثيف الدلالة: ما جرى خلال الحرب الأهلية الإسبانية Spanish Civil War . فتلك الحرب لم تكن مجرد صراع سياسي بين معسكرين، بل كانت انهيارًا شبه كامل للبنية الأخلاقية التي يُفترض أنها تضبط المجتمعات. فلقد قتل الأخ أخاه، وانقلب الجار على جاره، وتحول الإنسان، في لحظة، من كائن اجتماعي إلى أداة عنف غير مبرر. وهنا، لا يبدو أن “المرحلة” تفسر الفعل، بل أن الفعل نفسه يتجاوز المرحلة.
وقبل ذلك بسنوات، وفي حدث يكاد يبدو أقرب إلى الهذيان الجماعي، شهدت مدينة برشلونةBarcelona ما يُعرف بـ Semana Trágica (أسبوع المأساة)، حيث لم يقتصر الأمر على العنف السياسي، بل انزلق إلى ما هو أبعد، وذلك كما تجلى في تدمير الأديرة ونبش القبور والرقص مع هياكل الموتى. وهنا، فنحن لا نتعامل مع سلوك “وظيفي” يخدم غاية سياسية أو اقتصادية، بل مع انفجار في البنية الرمزية ذاتها، كأن الإنسان في لحظة معينة يعجز عن احتواء “فائض داخلي”، فيفرغه في أقصى أشكال العبث والعنف.
وإذا عدنا قرونًا إلى الوراء، فإننا سنجد في محاكم التفتيش الاسبانية (Spanish Inquisition) ،نموذجًا آخر، حيث اقتيد عشرات الآلاف إلى المحارق، لا لجرائم ارتكبوها، بل لاشتباهٍ في أفكار قد يحملونها. وهنا، يصبح التفكير ذاته جريمة، ويغدو الإنسان أداة لتدمير الإنسان باسم نظامٍ يدّعي حماية الحقيقة.
إن هذه الأمثلة، رغم تباعدها الزمني واختلاف سياقاتها، تشترك في شيء واحد؛ حيث أنها تكشف عن نمط متكرر، لا يمكن رده بسهولة إلى الظروف الخاصة بكل مرحلة. وكأننا أمام “ثابت بشري” يتجلى كلما تهيأت له الشروط، لكنه ليس ناتجًا عنها. وهنا يبرز تساؤلان منطقيان: “هل يمكن حقًا تفسير هذا النمط ضمن الإطار التطوري التقليدي؟” و “هل يُعقل أن تقود ملايين السنين من الانتقاء الطبيعي، الذي يُفترض أنه يُصفّي السلوكيات المهدِّدة للبقاء، إلى كائنٍ يُظهر وبصورة متكررة، استعدادًا لتدمير ذاته ونوعه دون أي منفعة واضحة؟”. فإذا كان التطور، في صيغته الداروينية، يقوم على مبدأ “الملاءمة” (fitness)، فإن ما نراه في هذه الوقائع يبدو، في كثير من الأحيان، مناقضًا لهذه الملاءمة. فهذا ليس مجرد انحراف طفيف، بل هو خلل بنيوي يكاد يشير إلى أن الإنسان لا يعمل دائمًا وفق منطق البقاء، بل وفق منطق آخر، أكثر غموضًا وأقل قابلية للاختزال.
وهنا، فإن من الضروري التفكير في تصور تطوري بديل، لا يُلغي البايولوجيا، لكنه يقرّ بأن ما حدث عند الإنسان لم يكن مجرد امتداد خطي لما سبقه؛ تصور يعترف بأن هناك “انعطافة” ما، خرج عندها الإنسان جزئيًا على اقتصاد الطبيعة المباشر، ودخل في اقتصاد آخر، يمكن تسميته بـ “اقتصاد التمثّل”؛ حيث لم تعد الأفعال محكومة فقط بالحاجة، بل بما تمثّله في الذهن، وما تُنتجه من معانٍ، وما تتيحه من إسقاطات. وفي هذا الإطار، لا يعود العنف مجرد وسيلة، بل يصبح أحيانًا غاية في ذاته؛ ليس لأنه مفيد، بل لأنه يُشبع “بناءً تمثليًا داخليًا”. ولا يعود “الآخر” مجرد كائن بايولوجي مماثل، بل يتحول إلى “فكرة” يمكن نفيها أو إلغاؤها دون حرج.
وهكذا، فإن ما تبيناه في إسبانيا، أو في غيرها من بقاع الأرض، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه انحرافًا محليًا أو خصوصية ثقافية، بل بوصفه تجليًا متكررًا لإمكانٍ كامن في البنية الإنسانية ذاتها؛ فهي ليست قصة الإسبان، بل هي قصة الإنسان؛ قصة كائنٍ قطع رحلة تطورية طويلة، لكنه، في لحظات معينة، يبدو وكأنه لم يتعلم منها ما يكفي ليحمي نفسه من نفسه.
ومن هنا، فإن السؤال لم يعد: “لماذا يفعل الإنسان ذلك في هذه المرحلة أو تلك؟” بل: “ما الذي في الإنسان يجعل مثل هذا الفعل ممكنًا أصلًا عبر كل المراحل؟” وهذا السؤال، وحده، هو ما قد يفتح الباب أمام إعادة التفكير في معنى التطور ذاته، وفيما إذا كانت رحلته نحو الإنسان قد اكتملت فعلًا، أم أنها انحرفت في نقطة ما، وما زلنا نعيش آثار ذلك الانحراف حتى اليوم.
