The French Dispatch” ووهْم الحداثة… كيف أخطأنا في فهم الذكاء الاصطناعي فاستخدمناه لقتل هويتنا؟

بينما كان من المفترض أن يمثل الذكاء الاصطناعي “لحظة التنوير الفائق” التي تمكننا من إعادة قراءة تراثنا الفكري والفني بعيون جديدة وقدرات تحليلية مذهلة، وقعت الثقافة المعاصرة في فخ تاريخي. فلقد عجزنا عن استثمار هذه التقنية كأداة لـ “الاستمرارية”، وبدلاً من ذلك، استسلمنا لفكرة “القطيعة”، فاعتبرنا أن جدارتنا بالعيش في هذا الزمان تتطلب تطهراً كلياً من شواخص عصر ما قبل الذكاء الاصطناعي.
إن العجز الحقيقي ليس تقنياً، بل هو عجز في الخيال الثقافي. لقد منحنا الذكاء الاصطناعي قدرات فذة لفك شفرات المخطوطات، وتحليل فلسفات الجمال، وربط التاريخ بالواقع، لكننا، بسبب ضيق أفقنا، ذهبنا إلى الخيار الأسهل؛ حيث تركنا الآلة تصيغ لنا مستقبلاً بلا ذاكرة. فنحن لم نفشل في تطويع الآلة، بل فشلنا في أن نكون “أنداداً فكريين” لها، فآثرنا الانسحاب من حلبة الثقافة الرصينة لصالح ثقافة “الضجيج الرقمي”.
ففي فيلم “The French Dispatch”، على سبيل المثال، نجد تجسيداً لكل ما عجزنا عن استثماره. فالفيلم يعيد بناء عالم “أنجوليم” المتخيّل، ليس كنوع من النوستالجيا المريضة، بل كاستعراض لما يمكن أن تفعله “العناية البشرية” بالتفاصيل.
• العجز عن الحوار مع الماضي: بينما يطحننا الذكاء الاصطناعي في قوالب جاهزة، يقدم هذا الفيلم “المقالة الصحفية” و”اللوحة التشكيلية” و”البيان الثوري” كشواخص حية. فعجزُنا يكمن في أننا لم نسخر الذكاء الاصطناعي لتعميق هذه الشواخص؛ حيث قمنا باستبدالها بملخصات تفتقر للحياة.
• خطيئة التطهر: الفيلم يصرخ في وجه المتلقي: “لا تتخلص من قديمك لتواكب عصرك”. فشخصيات الفيلم متمسكة بهوياتها المعقدة، بينما يهرع إنسان العصر الحالي للتخلص من موروثه الفلسفي ظناً منه بأن “الخوارزميات” لا تحتمل “الثقل المعرفي”.
إن الدعوة لاعتماد أفلام بهذه القيمة هي في جوهرها دعوة لـ “تصحيح مسار الاستثمار التقني”. إننا لا ندعو لمحاربة الذكاء الاصطناعي، بل ندعو لمحاربة “الهزيمة النفسية” التي جعلتنا نعتقد أن موروثنا صار عبئاً. إن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة مذهلة على محاكاة “الأسلوب”، لكنه يعجز عن خلق “الموقف الفكري”. وعجزنا نحن تمثل في أننا تخلينا عن “الموقف” لنكتفي بـ “الأسلوب” الآلي البارد.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أننا بحاجة إلى سينما تذكرنا بأن الفكر البشري الذي شُيّد قبل الرقمنة ليس “أثاثاً قديماً” يجب رميه، بل هو “نظام تشغيل” وجداني لا يشيخ. إن فيلم “The French Dispatch” يرينا أن التراث والتاريخ والفن، هي الكيانات التي تمنح للذكاء الاصطناعي قيمته الحقيقية إذا ما أُحسن استخدامه كخادمٍ لها، لا كبديلٍ عنها. إن الجدارة بالعيش في هذا العصر لا تأتي من “التطهر من الماضي”، بل من القدرة على “هضمه” وإعادة إنتاجه بأدوات العصر، دون أن نفقد في الطريق “اللمسة البشرية” التي تجعل للوجود معنى.

أضف تعليق