
حين كان الكابتن جيمس كيرك يختم مقدمته الشهيرة في مسلسل star trek بعبارة “To boldly go where no man has gone before” (وللذهاب بقوة وجرأة الى حيث لم يذهب انسان من قبل) لم يكن يطلق مجرد شعار لاستكشاف المجرات، بل كان يضع دستوراً للروح البشرية التواقة لكسر الحواجز المعرفية المصطنعة. ولكن، لماذا نحصر هذه “الجسارة” في المسافات الضوئية، بينما توجد داخل خارطة الوعي البشري “مناطق بيضاء” لم تُرسم بعد، ومحيطات معرفية لم تقتحمها سفن البحث الجاد خوفاً من عواصفها الهوجاء؟
إن الذهاب إلى “حيث لم يذهب إنسان من قبل” في عصرنا الحالي لا يتطلب مركبات فضائية، بل يتطلب عقلاً جسوراً يمتلك القدرة على الإبحار في مناطق محظورة معرفياً، حُظر التنقل فيها من قبل تفسير تديني يتوهم التجاسر عليها بالبحث العلمي الرصين إقلاقاً لاستقرارٍ لن تجلب زعزعته إلا مزيداً من التطاول على “مسلمات” لا خير يرتجى من التشكيك فيها، كما وحُظر أيضاً من قِبل تفسيرٍ علمي سائد يرى في هكذا بحث استعادة لماضٍ قروسطي عانى العلم فيه كثيراً قبل أن يُفلح في كتابة شهادة وفاته.
وهنا تصبح المغامرة الحقيقية هي اقتحام الفجوة بين المادي والروحي، والبحث عن قوانين تحكم ما نعتبره “خوارق”، تماماً كما كان يُنظر للكهرباء أو الجاذبية قبل اكتشاف قوانينها.
تُعد “تجربة كليفلاند” النموذج الأتم لهذا النوع من الاستكشاف؛ فهي تمثل تلك الرحلة التي قرر فيها الباحثون ألا يتوقفوا عند حدود “المعلوم”، بل غامروا بالاقتراب من تخوم الوعي والظواهر التي تقع على حافة الفيزياء.
ولكن ما الذي تمتاز به “تجربة كليفلاند” حتى يُنظر إليها من هذا المنظور؟
تكمن الإجابة في تدبر ما يلي:
- في مواجهة التقليد؛ فهي تجربة تشكك في مشروعية “الحظر المعرفي” الذي ابتدعه تفسيرٌ تديني يفرض وصاية على الحقيقة ما أنزل الله تعالى بها من سلطان.
- في مواجهة التنميط: هي تحدٍ لـ “التجريم العلمي” الذي يسارع إلى وصف هكذا تجارب بأنها محض “شعوذة ودجل”، لا لشيء إلا لكونها تفتقر الى أدوات قياس تتناسب مع طبيعتها النوعية.
فالباحث الذي يدرس تجربة كليفلاند، أو ما يماثلها من تجارب “السيادة المعرفية”، ليس مجرد باحث أكاديمي، بل هو مغامر يشبه الكابتن جيمس كيرك ربان سفينة الفضاء إنتربرايز؛ فهو يبحر في “بحر لم يُضَف بعد الى الخرائط”، حيث لا توجد منارات تهدي السفن، ولا شواطئ آمنة للرسو.
إن القيمة الحقيقية لهذه المقولة تكمن في “الشجاعة” (Boldness) ،الشجاعة في طرح الأسئلة التي قد تهدم النسق القائم، والشجاعة في تقبل النتائج التي قد تعيد تعريف “الإنسان” نفسه، ليس ككائن بايولوجي هش فحسب، بل ككيان كوني يمتد أثره إلى أبعاد لم نصل إليها بعد.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أننا في حاجة ماسة اليوم إلى تحرير مقولة “ستار تريك” من أسر الخيال العلمي السينمائي، لنجعلها وقوداً للبحث العلمي والفلسفي. فالذهاب “إلى حيث لم يذهب إنسان من قبل” يعني أن نتوقف عن تكرار المناهج القديمة، وأن نبدأ في رسم خرائطنا الخاصة للمناطق المحظورة معرفياً. فالحقيقة لا توجد في الأراضي المأهولة والآمنة فحسب، بل تكمن دائماً وراء الأفق، حيث تجرؤ القلة القليلة على الإبحار.
