إبادة المتوحشين… نحو قراءة تتجاوز العِرق لتكشف آليات التوحّش في الإنسان

ثمة أعمال فكرية نادرة تجرؤ على فتح الجروح التي يفضّل التاريخ الرسمي إبقاءها مغطّاة، وكتاب وفيلم Exterminate All the Brutes (أبيدوا كل المتوحشين)، الذي تحوّل لاحقًا إلى عمل وثائقي بصري أخرجه Raoul Peck، ينتميان بوضوح إلى هذا الصنف. إن الجهد المبذول في تتبّع الوثائق، واستنطاق الأرشيف، وربط الأحداث بعضها ببعض ضمن سردية كاشفة، يشي بعملٍ شاق ودؤوب، لا يكتفي بإعادة عرض الوقائع، بل يسعى إلى زعزعة البنية الأخلاقية التي قامت عليها سرديات الاستعمار. وقد انعكس هذا الجهد بوضوح على قوة الطرح في الكتاب، وعلى البناء البصري المركّب للفيلم الوثائقي بأجزائه الأربعة، حيث تتداخل الشهادة التاريخية مع التأمل الفلسفي في “طبيعة العنف البشري”.
غير أن قوة العمل، على أهميتها، لا تعفيه من مساءلة أعمق تتجاوز حدود التوثيق إلى أفق التفسير. فبينما ينجح الكتاب والفيلم في فضح جرائم الإبادة والتطهير العرقي والتهجير القسري التي ارتُكبت بحق الشعوب المستعمَرة، فإن الإطار الذي تُعرض فيه هذه الجرائم يبدو، في بعض لحظاته، محكومًا بتركيزٍ مفرط على فاعل واحد، هو ما يُصطلح عليه بـ”الرجل الأبيض”. وهذا التركيز، على الرغم من مشروعيته التاريخية في سياقات محددة، يظلّ قاصرًا إذا ما قيس بمعيار الموضوعية العلمية الأوسع.
ذلك أن التاريخ الإنساني، حين يُقرأ خارج انتقائيته، يكشف نمطًا متكررًا لا يكاد يستثني حضارة أو عرقًا. فآليات العنف، من إبادةٍ واستعبادٍ وإقصاء، لم تكن يومًا حكرًا على جغرافيا بعينها أو لونٍ بعينه، بل هي أنماط سلوكية رافقت الإنسان كلما امتلك “فائض قوة”، أو توهّم امتلاك الشرعية المطلقة. فمن الإمبراطوريات القديمة في الشرق والغرب، إلى الصراعات الإثنية في عصور أقرب، يتجلى المشهد ذاته: حين تتوفر شروط السيطرة، يُعاد إنتاج العنف بأشكال متقاربة، وإن اختلفت الشعارات والذرائع.
ومن هنا، فإن الإشكال لا يكمن في ما عرضه الكتاب والفيلم، بل في ما أغفلاه أو لم يوسّعاه بما يكفي. إذ إن الاقتصار على إدانة طرف واحد، مهما كانت جرائمه موثقة، قد يفضي من حيث لا يُراد إلى بناء سردية مقابلة لا تقل اختزالًا تُدين عرقًا بعينه وتمنح ضمنيًا براءةً لغيره. وهذا التحول، وإن بدا أخلاقيًا في ظاهره، ينزلق بسهولة إلى إعادة إنتاج ثنائية تبسيطية: جلادٌ أبيض مقابل ضحية ملونة، في حين أن الواقع أكثر تعقيدًا وأشدّ التباسًا.
إن الارتقاء الحقيقي بهذا العمل، كتابًا وفيلمًا، لا يكون بنقضه، بل بتوسيعه. أي بنقله من كونه إدانةً تاريخية لمرحلة محددة، إلى كونه تحليلًا بنيويًا لطبيعة الإنسان ذاته. فالإنسان، في جوهره، ليس أبيض ولا أسود، ولا أحمر ولا أصفر، بل كائن قادر على أن يبلغ أقصى درجات السمو، كما هو قادر على أن ينحدر إلى أقصى درجات التوحّش. وما يحدد اتجاهه ليس عرقه، بل موقعه من القوة، وحدود ما يُسمح له به، وما يضعه لنفسه من قيود.
وبهذا المعنى، يمكن إعادة قراءة العمل بوصفه مدخلًا لسؤال أعمق مفاده “لماذا تتكرر هذه الجرائم عبر التاريخ بأشكال متشابهة؟” و “ما الذي يجعل الإنسان، كلما امتلك أدوات الهيمنة، يميل إلى استخدامها بالطريقة ذاتها تقريبًا؟” وليس سؤال “من الذي ارتكب هذه الجرائم؟” فحين يُطرح السؤال بهذه الصيغة، يتحرر النقاش من أسر الإدانة الانتقائية، ويتحوّل إلى محاولة لفهم البنية التي تُنتج العنف.
وعند هذه النقطة، يصبح العمل أكثر اتساقًا مع هدفه الضمني: ليس فقط كشف الماضي، بل الحيلولة دون تكراره. وذلك لأن اختزال الشر في عرقٍ بعينه لا يمنع تكراره، بل يموّه شروط ظهوره في أماكن أخرى، وتحت رايات مختلفة. أما تفكيك الشر بوصفه إمكانية إنسانية عامة، فهو ما يفتح الطريق أمام وعيٍ أعمق، قد لا يمنع المأساة تمامًا، لكنه على الأقل يكشف آلياتها قبل أن تعيد إنتاج نفسها.
وفي نهاية المطاف، تظل قيمة Exterminate All the Brutes (أبيدوا كافة المتوحشين)، كتابًا وفيلمًا، كامنة في شجاعتهما في المواجهة. غير أن هذه الشجاعة تزداد اكتمالًا حين تتجه لا إلى إدانة طرف بعينه، بل إلى مساءلة الإنسان في كليّته. فحيثما وُجد الإنسان، وُجدت إمكانية الطغيان؛ وإذا ما أراد أن يبرهن تفوقه، كثيرًا ما فعل ذلك عبر الإفساد في الأرض، وليس عبر إعمارها.

أضف تعليق