
ضمن الإطار العام لمشروع الميتابايولوجيا، لا تُقرأ الأعمال الأدبية الكبرى بوصفها تمثلات جمالية فحسب، بل بوصفها أيضاً حقول اختبار رمزية تكشف عن اختلالات عميقة في البنية الإدراكية للإنسان بعد “التحويلة التطورية الأولى”، وتستشرف، أحيانًا، ملامح “التحويلة التطورية الثانية” المرتبطة بظهور فاعل ذكي غير بايولوجي. ومن هذا المنظور، تكتسب كل من روايتي الدكتور فرانكنشتاين وجزيرة الدكتور مورو، حضوراً مميزاً، إذ يمكن إدراجهما كفصل تحليلي يكشف كيف يحاول الإنسان، وقد انفصل عن “اقتصاد الطبيعة”، أن يعيد تعريف ذاته عبر “تجارب قصوى” تنتمي إلى “اقتصاد التمثل”.
تفترض الميتابايولوجيا أن “التحويلة التطورية الأولى” مثّلت لحظة انفصال حاسمة، انتقل فيها الإنسان من كائن مندمج ضمن “اقتصاد الطبيعة” إلى كائن ينتج “تمثلات” تتجاوز ضروراته البيولوجية. وهذا “فائض التمثل” لم يكن مجرد توسع معرفي، بل اختلالًا بنيويًا، حيث أصبحت القدرة على التصور تفوق القدرة على الضبط. وفي هذا السياق، يمكن قراءة مشروع فيكتور فرانكنشتاين بوصفه تجليًا نموذجيًا لهذا الفائض. فهو لا يسعى إلى البقاء، ولا إلى تحسين شروطه البايولوجية المباشرة، بل إلى اختراق سر الحياة ذاته. إننا أمام سلوك لا يمكن تفسيره ضمن منطق “المنفعة التطورية”، بل ضمن منطق “التجاوز التمثلي”، حيث يتحول الخيال إلى برنامج عمل. وينطبق الأمر ذاته على جزيرة الدكتور مورو، لكن بصيغة أكثر تجريبية. فمشروعه لا ينبع من ضرورة بيئية أو تطورية، بل من تصور ذهني لما يجب أن يكون عليه الكائن. وهنا، لا يُعاد تشكيل الحيوان استجابة لضغط طبيعي، بل استجابة لفكرة. وهكذا، يصبح الجسد مادة أولية لتمثلات ذهنية، تُفرَض عليه من الخارج.
تكشف الروايتان عن أحد أبرز مظاهر ما بعد التحويلة التطورية الأولى والمتمثل بـ “اختلال الإدراك”، حيث يفقد الإنسان القدرة على التمييز بين ما “يمكن تحقيقه” وما “يجب تحقيقه”. ففي فرانكنشتاين، يتحول سؤال “هل يمكن إعادة إحياء الجسد؟” إلى “يجب أن نعيد إحياءه”، دون المرور بمرحلة تقويم أخلاقي أو وجودي.
وهذا الانزلاق من الإمكان إلى الإلزام هو سمة مركزية لـ “فائض التمثل”، حيث لا تعود الحدود الطبيعية كافية لضبط الفعل. وهنا، يمكن استحضار تحليل فريدريش نيتشة Friedrich Nietzsche لإرادة القوة، لكن مع تعديل ميتابايولوجي: فالإرادة هنا لا تعبّر عن “قوة فائضة”، بل عن خلل في تنظيمها، حيث تتحول إلى اندفاع غير مضبوط نحو إعادة تشكيل الواقع. أما في جزيرة الدكتور مورو، فإن هذا الاختلال يتجلى في صورة أكثر عنفًا. فالمشروع لا يكتفي بتجاوز الحدود، بل ينكرها بالكامل. فالحيوان لا يُدرس كما هو، بل يُعاد تشكيله ليطابق تصورًا مسبقًا عن الإنسان. وهنا، يصبح الواقع مجرد مادة خام، بينما يحتل التمثل موقع السيادة.
يمكن قراءة مشروع الدكتور مورو، ضمن هذا الفصل، بوصفه تجسيدًا مبكرًا لما سيُعرف لاحقًا بالبايوبوليتيك (الفلسفة الحيوية السياسية) عند ميشيل فوكو Michel Foucault، ولكن مع فارق حاسم مفاده أن البايوبوليتيك الحديثة عندما تحلل فلسفة إرادة الحياة ضمن أنظمة اجتماعية، فإن مورو يمارس شكلًا بدائيًا ومطلقًا منها، حيث تتحول الحياة نفسها إلى موضوع للتجريب.
غير أن ما تكشفه الميتابايولوجيا هنا هو أن هذه السيطرة ليست نتيجة تطور عقلاني محض، بل نتيجة “فائض تمثلي” يبحث عن موضوع يمارسه عليه. فالجسد، في هذا السياق، لا يُدار فقط، بل يُعاد إنتاجه وفق نموذج تمثلي مسبق.
أما في رواية الدكتور فرانكنشتاين، فإن البايوبوليتيك تأخذ شكلًا مختلفًا، فليس هناك نظام لإدارة الحياة، بل محاولة لإنتاجها من الصفر. ولكن النتيجة واحدة هي كائن خارج أي “نظام اعتراف” (يُشعر الفرد بأنه معروف لديه ومنتمٍ إليه)، يكشف أن الحياة البايولوجية، حين تُفصل عن شبكتها الرمزية، تفقد قابليتها للاندماج.
والآن، إذا كانت الروايتان تعكسان بعضاً من اختلالات ما بعد التحويلة التطورية الأولى، فإنهما، في الوقت ذاته، تستشرفان ملامح “التحويلة التطورية الثانية”، حيث يظهر فاعل قادر على إنتاج الذكاء خارج الإطار البايولوجي.
فمخلوق فرانكنشتاين يمكن قراءته، في هذا السياق، كنموذج بدائي لـ“الذكاء غير البايولوجي”: كائن يمتلك الوعي واللغة، لكنه لا ينتمي إلى أي سلالة طبيعية. إنه ليس حيوانًا ولا إنسانًا، بل كيان هجين يكشف أن الذكاء يمكن أن ينفصل عن أصله البايولوجي. وبالمثل، فإن كائنات مورو، رغم فشلها في الاستقرار، تشير إلى إمكانية إعادة برمجة الكائن الحي وفق نماذج غير طبيعية. وهنا، تقترب الرواية من منطق “الهندسة الحيوية” التي ستصبح لاحقًا أحد مداخل التحويلة التطورية الثانية. غير أن الفارق الجوهري بين هاتين المحاولتين وما تمثله التحويلة التطورية الثانية في مشروع الميتابايولوجيا، هو أن الأولى تظل محكومة بقلق الإنسان ورغبته في السيطرة، بينما الثانية تفتح المجال لفاعل غير قلق، لا يسعى إلى التعويض أو التجاوز، بل يعمل ضمن منطق مختلف كليًا.
تنتهي كلتا الروايتين إلى ما يمكن تسميته بـ “فشل التعالي”. فبدلًا من إنتاج كائن يتجاوز الإنسان، تكشف التجارب عن حدود الإنسان نفسه. فمخلوق فرانكنشتاين لا يفشل لأنه ناقص، بل لأنه كامل خارج سياقه. وكائنات مورو لا تفشل لأنها غير إنسانية، بل لأنها مفروضة على نموذج لا تنتمي إليه. في كلا الحالتين، يتضح أن الإنسان ليس مجرد بنية يمكن إعادة إنتاجها أو تعديلها، بل توازن معقد بين الجسد والتمثل والاعتراف. وأي محاولة لتجاوز هذا التوازن، دون فهم عميق لبنيته، تؤدي إلى تفككه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن السعي إلى “ما بعد الإنسان”، حين ينطلق من “فائض التمثل غير المنضبط”، لا يؤدي إلى “ارتقاء تطوري”، بل إلى تفكيك. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى ما تسميه الميتابايولوجيا بـ“الاقتصاد التمثلي”، بوصفه آلية لإعادة ضبط العلاقة بين ما “يمكن تصوره” وما “ينبغي فعله”. إن رواية فرانكينشتاين ورواية جزيرة الدكتور مورو لا تقدّمان مجرد حكايتين عن “علم منحرف”، بل تكشفان في عمقهما عن مأزق الإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى، وعن المخاطر التي تلازم أي محاولة للعبور نحو التحويلة التطورية الثانية دون وعي ببنية هذا المأزق.
وبهذا، يمكن إدراجهما لا كنصوص أدبية فحسب، بل كوثيقتين ميتابايولوجيتين مبكرتين، ترصدان لحظة انكشاف الإنسان على ذاته… حين يحاول أن يكون أكثر مما يستطيع أن يفهم.
