
حين تُقرأ روايتا فرانكنشتاين وجزيرة الدكتور مورو قراءةً سطحية، تبدوان وكأنهما تنتميان إلى أدب الرعب أو الخيال العلمي المبكر. فالرواية الأولى تتحدث عن عالِم يخلق كائنًا من أجزاء الموتى، والثانية عن طبيب يعيد تشكيل الحيوان ليُحاكي الإنسان. غير أن هذه القراءة، على بساطتها، تخفي خلفها بنية فكرية أعمق، تكاد تجعل من الروايتين نصّين متوازيين في مشروع واحد: مشروع مساءلة الإنسان عبر تجاوزه. وفي كلا العملين، لا يكون “المخلوق” هو القضية، بل الإنسان نفسه بوصفه سؤالًا مفتوحًا لم يُحسم بعد.
ففي رواية الدكتور فرانكنشتاين، ينطلق فيكتور فرانكنشتاين من هاجس يبدو في ظاهره علميًا وهو فهم سر الحياة. ولكنه، في جوهره لم يكن سعيًا معرفيًا بريئًا، بل محاولة لتجاوز الشرط الإنساني ذاته. فإعادة إحياء الجسد ليست إلا خطوة أولى نحو إلغاء الهشاشة، نحو كائن لا يخضع لدورة الفناء التي تحكم الإنسان. وهنا، لا يكون الخلق فعلًا إبداعيًا بقدر ما هو تمرّد على “حدود النوع”.
أما في رواية جزيرة الدكتور مورو، فإن التجربة تأخذ منحى أكثر قسوة ووضوحًا. فالدكتور مورو لا يسعى إلى خلق الحياة من العدم، بل إلى إعادة تشكيلها، وذلك باقتلاع الحيوان من طبيعته وإجباره على ارتداء “قناع الإنسان”. غير أن هذا القناع، مهما بدا متماسكًا، يظل هشًّا، إذ سرعان ما يتصدع لتنكشف تحته طبقات الغريزة الأولى.
وهنا، تلتقي الروايتان في نقطة دقيقة؛ فالإنسان ليس معطىً نهائيًا، بل حالة غير مستقرة، يمكن الوصول إليها كما يمكن السقوط منها. وما يكشفه هذا التوازي ليس مجرد تشابه سردي، بل تماهٍ في البنية العميقة، فكلا النصين ينخرطان في تجربة فكرية راديكالية، تُمارَس فيها المعرفة بوصفها اقتحامًا، لا بوصفها فهمًا تدريجيًا. وهذه المعرفة هي معرفة لا تعترف بـ “المحظور العلمي”، بل ترى فيه الطريق الوحيد نحو الجوهر. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا السعي نحو “ما بعد الإنسان” لا ينتهي إلى تجاوزه، بل إلى كشف هشاشته بشكل أكثر فداحة.
فمخلوق فرانكنشتاين، الذي يُفترض أن يكون خطوة نحو الكمال، يتحول إلى مرآة مشوهة للإنسان، فهو كائن يمتلك الوعي، لكنه محروم من الانتماء، وقادر على الشعور، لكنه محكوم بالنبذ والنفي والطرد. إنه ليس فشل التجربة بقدر ما هو تعرية للإنسان نفسه بوصفه كائنًا لا يحتمل الاختلاف. أما في جزيرة الدكتور مورو، فتتكرر المأساة بشكل معكوس. فالحيوانات التي تُدفع قسرًا نحو الإنسانية، لا تبلغها حقًا، بل تعيش في منطقة رمادية؛ حيث تنهار القوانين المكتسبة أمام ضغط الطبيعة الأصلية. وهنا، لا يبدو الإنسان قمة تطورية، بل حالة مؤقتة تتطلب جهدًا مستمرًا للحفاظ عليها.
وبهذا المعنى، يمكن قراءة الروايتين بوصفهما نقدًا مبكرًا لفكرة “التفوق الإنساني”. فبدلًا من تقديم الإنسان كغاية، فإنهما تكشفان أنه مجرد طور قابل للتعديل، بل وللانهيار. ولكن ما هو أكثر عمقًا من ذلك، هو أن كلا النصين يطرحان سؤالًا غير مباشر مفاده “هل يمكن للإنسان أن يفهم نفسه دون أن يخرق حدوده؟”
ففي التجربتين، لا يتحقق الفهم عبر التأمل، بل عبر التجاوز، لا عبر دراسة الإنسان كما هو، بل عبر محاولة خلقه أو إعادة تشكيله. وكأن الحقيقة لا تنكشف إلا حين يتم تدمير الشكل الذي تخفي نفسها فيه. غير أن هذه الاستراتيجية المعرفية تحمل في طياتها تناقضها الخاص، فكلما اقترب الإنسان من “جوهره” عبر هذه التجارب، ازداد ابتعادًا عنه بوصفه كائنًا أخلاقيًا. إن المعرفة هنا تُنتج قوة، لكنها تُفقد المعنى.
وهنا، ربما يكمن الرابط الأعمق بين الروايتين والمتمثل ليس في مضمونهما الظاهري، بل في تحذيرهما الضمني. فالسعي إلى تجاوز الإنسان، عبر اختراق محظوراته، قد لا يقود إلى كائن أسمى، بل إلى فقدان ما يجعل الإنسان إنسانًا أصلًا. فهاتان الروايتان في النهاية، لا ترويان قصة خلق كائن جديد، بل قصة انكشاف الإنسان أمام ذاته، حين يحاول أن يكون أكثر مما هو عليه.
