
قضى الإنسان آلاف السنين يطوِّع الطبيعة ويصهر الصخر ليبني لنفسه صرحاً من الإنجازات، لكنه في لحظة مباغتة، قد يحرق هذا الصرح كله قرباناً لـ “أناه” المتضخمة. إن هذا الإفراط في الهوس بالذات، والاندفاع المسعور للدفاع عن صورتها المتخيلة، يمثل مفارقة تراجيدية؛ فالإنسان الذي شقي وعانى الأمرين لبناء كيانه، مستعد للتضحية بكل مكتسباته لمجرد أنه استشعر “استصغاراً” أو لمس في عيون الآخرين تقليلاً من شأنه. فبينما يشتعل هذا الكائن غضباً عند النقد، تراه يبلغ عنان السماء زهواً وفخراً حين يُمدح. والمثير للسخرية هنا ليس في قبول المديح، بل في استعذابه له وهو يعلم يقيناً أن كلمات المديح تلك محشوة بالمبالغات التي لا تستطيع أعظم الألفاظ مكراً مواراتها. والعلة في هذا السلوك تكمن في الدور الخبيث الذي تؤديه النفس؛ فهي لا تكتفي بتزيين الافتتان بالذات، بل تقدم لصاحبها “إثباتات”، هي في الغالب زائفة، تبرهن له على تفوقه المطلق على أقرانه. فتوهمه بأنه ذلك “العبقري اللوذعي” الذي يستحق التبجيل المطلق، وما هذا إلا آلية دفاعية لنفسٍ تخشى مواجهة حقيقتها المجرّدة.
إن هذا الهوس ليس مجرد عيب أخلاقي، بل هو علامة على “داء إنساني وبيل” نتج عما يمكن تسميته بـ “الهشاشة التطورية”.. فلقد رسمت الطبيعة لكل كائناتها خطاً تطورياً منضبطاً بضوابط البقاء والتكيف، إلا أن الإنسان انحرف عن هذا المسار. فبينما تلتزم الكائنات الأخرى بمحددات الطبيعة، انفصل الإنسان بوعيه المتضخم، ليبني عالماً موازياً من الرموز والمكانة والاعتزاز الواهم بالذات، وهو ما جعله كائناً هشاً نفسياً رغم قوته المادية؛ كائناً تكسره كلمة وتُحييه صفة كاذبة.
وهنا نقف أمام تساؤلات وجودية كبرى تفرض نفسها على طاولة البحث:
1. ما الذي جعل الإنسان يخرج على الخط التطوري للطبيعة ويشرع برسم خط تطوري جديد له وحده؟ هل كان الوعي طفرة فائضة عن الحاجة، أم أنه كان تمرداً ضرورياً للسيطرة على بيئة لم تعد تكفيه فيها الغريزة؟
2. ولماذا أصبح من المستحيل على الإنسان أن يصحح هذه الانعطافة التطورية؟ لماذا لا يستطيع العودة إلى اتباع الخط التطوري الطبيعي، خاصة بعد أن تبين له، عبر مئات السنين، فشله الذريع في صياغة نظام يحميه من ضربات النظام الطبيعي الذي خضع له بالأمس البعيد كما لازالت تخضع له كافة الحيوانات اليوم؟
إن الإنسان اليوم يعيش في أتون حربين: حرب خارجية مع “الآخر” الذي يهدد كبرياءه، وحرب داخلية شرسة بين ذاته المتضخمة وما تبقى من آثار أصله الطبيعي القديم. ويبدو أن هذه “الذات” التي اخترعها الإنسان لتكون درعه، قد تحولت إلى سجنه الذي يرفض مغادرته، حتى وإن كان الثمن هو استمرار التخبط في وحل الفشل الأخلاقي والوجودي.
