التشريح البايولوجي للهشاشة… حين طغى “القشر” على “الجوهر”

إن العلة من وراء اضطراب العلاقة بين الانسان ونفسه لا تقف عند حدود النفس الخفية، بل تمتد جذورها إلى بنية الجهاز العصبي التي تميز بها الإنسان. ففي الوقت الذي حافظت فيه الكائنات الأخرى على توازن بايولوجي صارم تقوده اللوزة الدماغية (Amygdala) لضمان البقاء المادي الصرف، شهد الإنسان تضخماً هائلاً في القشرة الجبهية .(Prefrontal Cortex) وهذا التطور الذي منحه القدرة على التجريد والتخيل، هو نفسه الذي خلق “الذات الرمزية” التي نقدسها اليوم.
فهذه “الهشاشة التطورية” تتبدى في كون الدماغ البشري أصبح يعالج “الإهانة المعنوية” بنفس الاستجابة الكيميائية والمناطق العصبية التي يعالج بها “الألم الجسدي”. فبالنسبة لبايولوجيا الإنسان، فإن استصغار شأنه يطلق فيضاً من هرمونات التوتر (الكورتيزول والأدرينالين) وكأن نمرًا يوشك على أن يفترسه، مما يدفعه للتضحية بكل شيء في سبيل حماية صورته الذهنية، لأن دماغه لم يعد يفرق بين بقاء جسده وبقاء كبريائه.
فالإنسان قد انحرف عن الخط الطبيعي حين أصبح “الاعتراف الاجتماعي” حاجة بايولوجية توازي الحاجة الى الطعام والماء. وهذا التحول جعلنا كائنات “خارجية التوجيه”، نقتات بـ الدوبامين الذي يفرزه الدماغ عند سماع المديح، ونعاني من انسحاب كيميائي مؤلم عند الشعور بالدونية. إن هذا المسار البايولوجي الجديد جعل من المستحيل العودة إلى “براءة الطبيعة”، لأن المسالك العصبية التي تشكلت عبر آلاف السنين قد أصبحت مبرمجة على تقديس “الأنا”. فنحن الآن أسرى لنظام عصبي يرى في التواضع تهديداً وجودياً، وفي الغرور درعاً واهياً ضد حقيقة فنائنا البايولوجي.
والآن، هل من سبيل لترميم هذا الانكسار؟ إن الإقرار بصعوبة العودة إلى “الخط التطوري الطبيعي” ليس حكماً بالإعدام، بل هو تشخيص لواقع بايولوجي معقد. فإذا كان خروج الإنسان عن المسار قد تم عبر “طفرة في الوعي” جعلت من ذاته صنماً يُعبد، فإن كسر هذه الحلقة لن يكون بالنكوص إلى الوراء أو بمحاولة استعادة براءة حيوانية فُقدت للأبد، بل عبر “وعيٍ من الدرجة الثانية”.
وهذه الرؤية تستشرف إمكانية تطور “جهاز مناعي نفسي” يعيد تعريف القيمة الذاتية بعيداً عن وهم التفوق. إن كسر حلقة الهوس بالذات يتطلب من الإنسان أن يدرك بايولوجياً أن “أناه” ليست جوهراً ثابتاً، بل هي مجرد “برمجية تطورية” أدت غرضها في حماية الكائن الهش قديماً، لكنها اليوم أصبحت عبئاً يهدد بقاءه. وربما تكمن “الاستقامة التطورية” في “التواضع البايولوجي”؛ أي أن يتقبل الإنسان حقيقته كجزء من نسيج الطبيعة، لا ككيان منفصل عنها يطالب بتبجيل استثنائي. إن تصحيح الانعطافة التطورية قد لا يأتي عبر تغيير الجينات، بل عبر تغيير “المعنى”؛ فبدلاً من أن يضحي الإنسان بكل ما حققه دفاعاً عن ظله، عليه أن يتعلم كيف يجعل من هذا الظل جزءاً من مشهد كوني أوسع، حيث لا يكون هو المركز، بل يكون الشاهد الواعي.
إلا أن التساؤل المرير يظل قائماً: “هل سيسمح لنا هذا النظام العصبي، الذي أدمن على نشوة التبجيل وخوف الاستصغار، أن نتحرر من قبضته؟ أم أن قدر الإنسان هو أن يظل حبيس حربه الذاتية، ممزقاً بين أصل طبيعي يناديه، وذات زائفة تأبى إلا أن تحرقه في “محرابها”؟”.

أضف تعليق