
جاء الإسلام إلى بيئة تُعلي من شأن “النسب” و”القبيلة”، فكانت ثورته الكبرى في تحويل معيار التفاضل من البايولوجيا والجغرافيا إلى الأخلاق والعمل الصالح. فالفشل في استيعاب هذا التحول لم يكن مجرد خطأ فقهي، بل كان انحرافاً بنيوياً أدى لنشوء فجوة استغلها الخصوم في صياغة نسخة مشوهة من الدين.
فالقرآن الكريم قد أسس لما يمكن تسميته “المواطنة الإنسانية العالمية”. فلم يجعل الاختلاف في العرق أو الثقافة سبباً للنزاع، بل وسيلة لـ “التعارف”، وذلك بأن شدد على “الوحدة الأصلية” التي تجمع ما بين البشر كلهم جميعاً بسبب من كونهم أبناء لآدم. حيث ذكَّرت آياته الكريمة بأن البشر خلقوا جميعاً من نفسٍ واحدة {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} (1 سورة النساء). كما وأكد القرآن العظيم في مواطن منه كثيرة ما للتقوى من “دور تأسيسي” في صياغة المعيار التفاضلي الذي يتمايز البشر بمقتضاه عند الله، فهو معيار “جواني” لا يمكن للمؤسسات أو الأفراد قياسه، وبما يمكنهم من إظهار التفوق على الآخرين، مما يلغي فكرة “الطبقية الدينية”. وفي ذلك نقرأ في القرآن العظيم قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} (13) الحجرات.
إن من “فاضلَ” بين الناس على أساس العرق قد ناقض بفعله هذا ركناً ركيناً من أركان النظام التعبدي-التديني الذي جاء به الاسلام، وعاد إلى “الجاهلية” التي وصفها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بأنها “مُنتِنَة”.
ولقد شهد التاريخ الإسلامي ممارسات ابتعدت عن هذا النهج، وذلك على الرغم من وضوح النص القرآني الجليل. وغالباً ما كانت العلة من وراء هذه الممارسات هي الصراع على السلطة والموارد. فالعصبية القبلية التي أطلت برأسها من جديد مع انبثاق التنافس السياسي على السلطة اخذت في الانتشار والتعمق، وذلك على الرغم من جميع المحاولات الإصلاحية التي كانت تسعى دوماً لتذكير الناس بما يقوم عليه الإسلام من وجوب الإعراض عن كل ما يمايز بين الناس ويفرق بينهم. وكل ذلك أدى لنشوء تراتبية اجتماعية بناءً على القرب من السلطة أو الثروة، الأمر الذي ولد انطباعاً بأن الإسلام يكرس نظاماً طبقياً. ولقد تحولت علاقة “التعارف” مع الثقافات الأخرى إلى علاقة “توجس” أو “استعلاء”، في فترات الضعف أو التشدد، مما غيب روح التسامح القرآني.
ولقد انعكس هذا التباين الواسع بين الإسلام كما انزله الله تعالى، وبين ممارسات كثير من المتدينين به، سِلباً على مقاربة كثير من الباحثين الغربيين، وخاصة المستشرقين الكلاسيكيين منهم، فلم يفرقوا بين “الإسلام كدين” و”المسلمين كبشر”. فلقد اعتمد هؤلاء الباحثون على سلوكيات الحكام أو الفئات المتشددة في التاريخ الإسلامي معتبرين ان ما كانوا يقومون به من ممارسات وسلوكيات تمثل “تطبيقاً حرفياً” للشريعة؛ حيث أن الممارسات الإقصائية التي مارسها بعض المسلمين عبر التاريخ تجاه “الآخر المختلف”، سواء كان مسلماً من مذهب آخر أو من طائفة أخرى أو من قومية أخرى، قدمت مادة دسمة لتغذية المخاوف الغربية. فلقد توهم العقل الغربي أن “العنف” أو “التعالي العرقي” هو تشريع إسلامي، بينما هو في الحقيقة نتاج “رواسب جاهلية” لم يستطع المجتمع التاريخي التخلص منها تماماً، بل أن الإسلام جاء أصلاً لمحاربتها.
إن التصدي لظاهرة الإسلاموفوبيا لا يكون بالدفاع العاطفي فحسب، بل بتقديم نقد ذاتي للتاريخ، وذلك عن طريق:
1. تفكيك الممارسات التاريخية؛ وذلك بالاعتراف بأن كثيراً مما حدث في التاريخ كان “سلوكاً سياسياً” وليس “حكماً شرعياً”.
2. إبراز النموذج القرآني: التركيز على أن الإسلام هو من شرع “التعددية الثقافية” كضرورة بشرية.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن مَن يمارس التمييز على أساس من اختلاف الناس في العرق والجنس واللون والمستوى الاجتماعي-الاقتصادي لا يسيء الى الإنسان فحسب، بل يجاهر بجهله بجوهر الإسلام. فاستعادة النهج القرآني في التعامل مع الآخر ليست ترفاً فكرياً، بل هي الضرورة الوحيدة لتصحيح التوهم الغربي وكسر حلقة “الإسلاموفوبيا” التي تغذت على أخطاء كثيرٍ من الذين لم يُحسنوا تبين مقاصد الدين، وليس على مبادئ الدين نفسه. فأزمة المسلمين اليوم لا تتعلق بالنص، بل في فقه تطبيق النص على الواقع الإنساني المتعدد.
