
يُقدِّم ريتشارد دوكينز في كتابِه (سِحرُ الواقع) The Magic of Reality مشروعًا طَموحًا يسعى إلى استبدال “السِّحر” بالعِلم، و”الأسطورة” بالتفسيرِ الطبيعي. غير أنَّ هذا المشروع، على ما ينطوي عليه من قوةٍ تبسيطية وجاذبية سردية، يُخفي خَلْفه مفارقةً إبستمولوجية عميقة؛ إذ بينما يدّعي الكشفَ عن الواقع، فإنه في الحقيقة يُعيدُ إنتاجَه داخل نموذجٍ اختزالي لا يرى من الواقع إلا ما يسمح به هذا النموذج.
فداوكينز لا يفسِّر الواقع بقدر ما يُعيد تأويلَه وفق افتراضٍ مُسبق مفاده أنَّ كلَّ ما هو موجود، بما في ذلك الإنسان، يخضعُ دون استثناء لقوانينٍ الطبيعة ذاتها التي تحكُمُ بقيةَ الكائنات. وهنا بالضبط تبدأ المشكلة. حيث ينطلق دوكينز من مُسلَّمةٍ مركزية في البايولوجيا التطورية مفادها أنَّ الإنسان ليس استثناءً، بل هو نتاجٌ مباشرٌ لسلسلةٍ تطوريةٍ مستمرة، وبالتالي فإنه يخضع لِذاتِ القوانين التي تَحكمُ باقي الكائنات الحية.
ولكن هذا الطرح، عند إخضاعِه لتحليلٍ ميتابايولوجي، يكشف عن كونِه ليس استنتاجًا بقدر ما هو شرطٌ لازمٌ لاستمرارِ النظرية. فلو كان دوكينز قد أُقرَّ بأن الإنسانَ قد خرج على الطبيعة، وأقر، ولو جزئيًا، باقتصادِ الطبيعة، فإن ذلك كان سيهدد البُنيةَ التفسيريةَ الكاملة التي يقومُ عليها النموذج الدارويني في صيغتِه الصارمة. ومن هنا، فإنَّ إصرارَ دوكينز على “طبيعية الإنسان” ليس توصيفًا لواقع، بل هو دفاعٌ عن تماسكٍ نظري فحسب.
ضمن إطار المشروع الميتابايولوجي، تُمثِّلُ “التحويلةُ التطوريةُ الأولى” لحظةً مفصليةً خرج فيها الإنسانُ من منطِقِ التكيُّفِ الحيوي المباشر إلى فضاءِ “فائض التمثُّل”. فلم يَعُد الإنسانُ كائنًا يستجيبُ لضروراتِ البقاء فقط، بل أصبح كائنًا يُنتِجُ أنظمةً رمزيةً تتجاوزُ هذه الضرورات، بل وتتصادمُ معها أحيانًا. وهذا الخروجُ يتجلَّى في ظواهر لا يمكنُ تفسيرُها ضمن المنطق البسيط للانتقاءِ الطبيعي. فالطقوسيةُ المفرطة التي لا تُحقِّق منفعةً مباشرة، والسلوكياتُ التدميريةُ الذاتية، والنزعاتُ التجريديةُ والفلسفية التي لا تَخدمُ البقاء، والتضحيةُ القصوى التي تتجاوزُ أيَّ حسابٍ نفعي، فهذه الظواهرُ ليست “استثناءاتٍ” داخل النظامِ الطبيعي، بل مؤشرات على أنَّ الإنسانَ لم يعُد يعمل وفقَ نفسِ القواعد. غير أنَّ دوكينز، في سعيه للحفاظ على “اتِّساقِ النموذج”، يعمدُ إلى إعادةِ تأويلِ هذه الظواهر كامتداداتٍ ملتوية لمنطقِ المنفعة، مما يؤدي إلى لَيّ الواقع ليتناسبَ مع النظرية، بدلًا من تعديلِ النظرية لتستوعبَ الواقع.
إنَّ المشكلةَ الأعمق تكمنُ في أنَّ دوكينز يتعاملُ مع الإدراكِ البشَري كامتدادٍ مباشرٍ للإدراكِ الحيواني، متجاهلًا ما يمكن تسميتُه بـ “فائض التمثُّل”، أي تلك القدرة البشرية على إنتاجِ مَعانٍ وأنظمةٍ رمزية تتجاوزُ المُعطى الحِسِّي. وهذا الفائضُ هو ما يجعلُ الإنسانَ يؤمِنُ بأفكارٍ قد تضرُّ بِبقائِه، وينخرطُ في صراعاتٍ إيديولوجيةٍ لا مبررَ بايولوجيٍ مباشرٍ لها، ويَخلقُ عوالِمَ رمزيةً (دينية، فلسفية، فنية) لا يمكن ردُّها إلى مجردَ أدواتِ تكيُّفٍ. إنَّ تجاهلَ هذا البُعدِ يؤدي إلى اختزالِ الإنسان في صورةِ كائنٍ ليس له وجودٌ فِعلي. فـ “الإنسانُ الطبيعي” كيانٌ مُختلَقٌ ليس له وجودٌ على أرضِ الواقع، أقد اضطرَّ التطوريون المُحدَثون، ومنهم ريتشارد دوكينز، الى القولِ بوجودِه، وذلك لاعتباراتٍ نظرية. فأين نجِدُ، على أرضِ الواقع، “إنساناً طبيعياً” لا يعاني من اختلالِ الإدراك، ولا يعيشُ قلقَ التمثُّل، ولا ينفصلُ عن شروطِ بقائه؟!
والمفارقةُ هنا أنَّ دوكينز، وهو يسعى إلى “تبديدِ السِّحر”، يقعُ في نوعٍ آخَرَ مِن السِّحر؛ هو سِحرُ النموذجِ التفسيري. فبدلًا من الاعترافِ بحدودِ التفسيرِ العِلمي حين يواجِهُ ظواهرَ تتجاوزُ نِطاقَه، يتمُّ توسيعُ هذا النطاق قسرًا ليشملَ كلَّ شيء، حتى لو كان ذلك على حسابِ دِقة التفسير. وهنا يتحولُ “العِلم” من أداةٍ لفهمِ الواقع إلى أداةٍ لإعادةِ تشكيلِه وِفقَ شروطٍ مسبقة.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّر ما تقدَّم، أنَّ النقدَ المُوَجَّه لدوكينز لا يستهدفُ العِلم، بل يسعى إلى تحريرِه من وَهمِ الاكتمال. فالعِلمُ، في صيغتِه الأكثر نضجًا، لا يدَّعي الإحاطةَ بكلِّ شيء، بل يعترفُ بحدودِه. ومن هذا المنطلق، فإنَّ إدراجَ مفهومِ “التحويلةِ التطوريةِ الأولى” ضمن التحليل يفتحُ البابَ أمامَ إعادةِ فهمِ الإنسان بوصفِه كائنًا بدأ مسيرتَه التطورية ككائنٍ طبيعي، لكنه لم يبقَ كذلك. كما ويتبيَّنُ لنا أيضاً أنَّ الإصرارَ على إبقاءِ الإنسان داخلَ حدودِ الطبيعة، رغم كل المؤشرات التي تدلُّ على تجاوزِِه لها وخروجِه عليها، لا يعكسُ قوةَ النظرية، بل يعكسُ حدودَها. وبينما يسعى The Magic of Reality إلى تفسيرِ العالَم عِبرَ قوانينِِ الطبيعة، فإنه يغفلُ عن حقيقةٍ ربما تكونُ أكثرَ إرباكًا مفادها أنَّ الإنسانَ، منذ لحظةٍ معينةٍ في تاريخِه التطوري، لم يعُد ينتمي بالكامل إلى العالَمِ الذي يحاولُ هذا الكتابُ تفسيرَه.
