
قمتُ في مقالةٍ سابقة بتشخيصِ قصورٍ منهجي في التعاملِ المعرفي للفكرِ التديُّني التقليدي مع ظواهرِ الوجود، مفادُه هذا العزوفَ غيرَ المبرَّر عن مشاركةِ الفِكرِ العلمي المقاربةَ المعرفية لتلك الظواهر التي اصطُلِحَ على تسميتِها بالظواهرِ الطبيعية. وبيَّنتُ في تلك المقالة أنه لا يوجد أيُّ مسوِّغٍ إبستمولوجي يدعم هذا العزوف، وذلك طالما كان القرآنُ العظيم يأمرُ بوجوبِ التفكُّرِ والتدبُّر وإعمالِ العقل في ظواهرِ الكونِ كلِّها جميعاً. ولذلك فإنَّ هذا العزوفَ يمثِّلُ قصوراً تعبُّدياً يعتورُ النهجَ التديُّني لأولئك الذين ارتضوا القبولَ بهذا التقسيم لظواهرِ الكون، والذي يقصرُ التفكيرُ التديُّني التقليدي بمقتضاه جهدَه التدبُّري على تلك الطائفةِ من ظواهرِ الكون التي يعجزُ العِلمُ عن التعليلِ لما يحدثُ فيها من خَرقٍ لمعادلاتِه وقوانينِه، بينما يبتعدُ هذا التفكيرُ عن بقيةِ ظواهرِ الكون التي استطاعَ العِلمُ، بمعادلاتِه وقوانينِه هذه، أن يعلِّلَ لكلِّ شاردةٍ وواردةٍ منها.
وفي المقالة الحالية، أجدُ من الضروري أن ألفتَ أنظارَ أصحابِ التفكيرِ التديني التقليدي إلى حقيقةٍ يبدو أنه قد فاتهم أن يتبيَّنوها في قبولِهم بهذا التقسيمِ لظواهرِ الكون. فأصحابُ هذا التفكير سوف يتعينُ عليهم أن يقبلوا بكلِّ ما يصدرُ عن التفكيرِ العِلمي من فرضياتٍ ونظريات لابد وأن تصطدمَ بالضرورة، إذا ما تمَّ تفكيكُها، بثوابتِ الدين. كيف لا وهي تطالُ نشأةَ الإنسان وبداياتِ تخلُّقِ الكونِ ذاتِه؟ فالتفكيرُ العِلمي، بما هو قائمٌ عليه من أساسٍ ميتافيزيقي صلبٍ متين، لن يألوَ جَهداً في إثباتِ أنَّ نشأةَ الإنسان، وبداياتِ تخلُّقِ الكون، لا تستدعي وجوبَ القول بما لا قيامَ للدينِ إلا به من أنَّ كلَّ ما في الوجود، وحتى الوجودِ ذاته، قد خلقه اللهُ الخالقُ البارئُ المصوِّر.
