
ينبغي النظرُ إلى الانقسام المعرفي السائدِ بين “الفكر التديني” و “الفكر العلمي” ليس بوصفه تطورًا طبيعيًا في تاريخ المعرفة، بل بوصفِه عَرَضًا من أعراضِ اختلال أعمق نشأ مع الانعطافةِ التطورية الأولى؛ أي تلك اللحظة التي خرج فيها الإنسانُ من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل، حيث لم يعُد الانسانُ يتعامل مع الواقع مباشرة، بل عِبرَ أنظمةٍ رمزية “متراكبة”.
وفي هذا السياق، لا يعودُ الفصلُ بين الحقول المعرفية مجرد تنظيمٍ وظيفي، بل يتحول إلى “تشييء” للتمثلات، أي إلى إعادة التعامل مع تقسيماتٍ ذهنية بوصفِها حدودًا أنطولوجية حقيقية. وهنا تحديدًا يظهرُ ما يمكن تسميتُه بـ “فائض التمثّل”؛ وذلك حين تتضخم البُنى التصنيفية التي يُنتِجها العقل إلى درجةٍ تفقدُ فيها وظيفتَها الإجرائية، وتتحول إلى “عوائق” أمام الفهم.
وما الثنائية التي تفصل بين “ظواهر طبيعية” يحتكرُ العِلمُ تفسيرَها، و“ظواهر دينية” تُرِكت ليتعاملَ معها الدين، إلا نتاجًا لهذا الفائض. فهي لا تعكس “بُنيةَ” الوجود، بل تعكس بُنيةَ الإدراك بعد أن انفصل عن مرجعيتِه الأصلية. فالعالم، في ذاته، لا ينقسم إلى “طبيعي” و“ديني”، بل إلى ظواهر متعددة يمكن مقاربتُها من زوايا مختلفة. أما تحويل هذه الزوايا إلى حدودٍ فاصلة، فهو فعلٌ تمثّلي بامتياز.
وضمن هذا الإطار، يمكن إعادةُ قراءة الانسحاب الذي شهده التفكيرُ الديني من مجال الظواهر الطبيعية، ليس من باب التواضع المنهجي، بل كـ استجابةٍ لاواعية لضغطِ التمثّل. إذ قَبِل هذا التفكير، ضمنًا، بإعادةِ توزيع السُّلطة المعرفية وفقَ تصنيفٍ لم يقُم هو بانتاجه، بل فُرض عليه ضمن نظامٍ معرفي تشكّل في سياقٍ تاريخي معين. وهكذا، لم يكتفِ بالتخلِّي عن تفسيرِ “كيف” تعمل الظواهر، بل تخلّى أيضًا عن مُساءلةِ “لماذا” تظهر بهذه الصيغة دون غيرها، في سياقٍ كُلِّي للمعنى.
غير أن هذا الانسحاب لا يمكن فصلُه عن تحوّلٍ أعمق في بُنية الإنسان المعرفية. فبعد التحويلة التطورية الأولى، لم يعُد الإنسانُ يكتفي بتمثل الواقع، بل أصبح يُعيد تمثُّلَ تمثلاته، في سلسلةٍ لانهائية من الوسائط. وفي هذه السلسلة، تُعاد صياغةُ المفاهيم (كالطبيعة والدين والعلم) بوصفِها كيانات مستقلة، بدل كونها أدواتٍ لفهم الواقع. ومن هنا، يصبح الدفاعُ عن “اختصاص” كل حقل معرفي دفاعًا عن تمثّل، لا عن حقيقة.
فالقولُ بأن “لكلٍّ اختصاصَه” هو أبلغُ تعبيرٍ عن هذا “الاختلال المعرفي” الذي تباعدت بمقتضاه حقولٌ معرفية لا لشيء ذي صلةٍ لضرورةٍ ابستمولوجية ولكن بسببٍ من تباينٍ بين طرفين أحسن أحدهما استخدام أوراقه بينما أخفق الآخر في تبيُّن مكامن قوته.
وهنا تجدر الإشارة الى ما وقرَ عند كثيرين من أن الوجود ذاته مُجزأ وفق هذه الاختصاصات المتباعدة، وأن أيَّ مسعى يرومُ التوفيقَ بينها محكومٌ عليه بالإخفاق الذريع، هو ظنٌّ لا أساسَ له ولا يمكن أن يُحتكمَ إليه. في حين أن هذا التجزُّء هو نتيجةٌ مباشرة لـ “فائض التمثّل”. فحين يُقال إن العلم يفسر الظواهر الطبيعية، والدين يفسر الظواهر الدينية، فإننا لا نَصِفُ الواقع، بل نَصِفُ طريقةً معينة في تمثُّله.
ومن هنا، فإن استعادةَ الفِكرِ الديني لفاعليتِه لا تمرُّ عِبرَ منافسةِ العِلم في أدواته، بل عِبرَ تحريرِ نفسه من القيد التمثّلي الذي فرض عليه الانكفاء. أي عِبرَ إعادةِ الانخراط في تدبُّر ودراسة الظواهر الطبيعية، ليس لتفسير آلياتِها، ولكن لإعادةِ ربطِها بسياقِها الكُلي، حيث لا تعودُ مجرد “وقائع”، بل إشاراتٍ ضمن مقاربةٌ معرفية تشملُ كلَّ ما تأتَّى لنا أن نُحيطَ به من ظواهرِ الوجود.
وبهذا المعنى، لا يكونُ الفصلُ بين الحقولِ المعرفية مجرد خطأ منهجي، بل يصبحُ عَرَضًا لمرضٍ أعمق مفاده اختلال الإدراكِ الناتج عن فائضِ التمثّل. وهو اختلالٌ لا يمكن تجاوزُه إلا بإعادةِ النظر في البُنى التي تنظّم علاقتَنا بالمعرفة، ليس من داخلها، بل من خارج الإطار الذي أنتجها.
