الانتظارُ بِوصفِه نقيصةٌ ميتابايولوجية… حين يستبدل الإنسان الفعلَ بِوَهمٍ الإمكان

في سياق البحث عن تفسير تطوّر الإنسان ضمن الإطار البايولوجي التقليدي، يُفترض أن تكونَ السلوكياتُ البشرية، في مُجملها، قابلةً للردّ إلى منطقِ الانتقاء الطبيعي، حيث يُكافأ ما يعزّز البقاء والتناسل، ويُقصى ما يبددهما. غير أنّ هذا الافتراض، على ما فيه من قوةٍ تفسيرية، يصطدمُ بظاهرةٍ إنسانيةٍ واسعة الانتشار، يصعب إدراجُها ضمن هذا المنطق وهي ظاهرةُ العيش في حالةِ انتظار. فالإنسان، بخلاف سائر الكائنات، لا يكتفي بالتفاعل مع شروط الواقع، بل يؤجّل حضورَه فيه، معلِّقًا وجوده على ما لم يحدث بعد. إنه لا يعيش ما هو كائن، بل ما يمكن أن يكون. فهو ينتظر فرصةً أو خلاصًا أو اعترافًا أو تحولًا جذريًا أو حدثًا مفصليًا يعيدُ ترتيبَ حياته من الخارج. وحتى حين لا يوجد ما يُنتظر، يقوم هو بابتكار موضوعٍ للانتظار.
وهذه النزعة لا يمكن تفسيرُها بسهولة بِوصفِها امتدادًا لآليات التكيّف؛ لأنها في كثيرٍ من تجلياتها لا تخدمُ البقاء، بل تُعلِّقُه. وهنا تظهر مفارقةً مفادها “كيف يمكن لكائنٍ تطوّرَ عبر ملايين السنين، حتى يُتقنَ التعاملَ مع الواقع، أن ينتهيَ به الأمرُ إلى الهروب من هذا الواقع عبر تأجيلِه المستمر؟”.
ولعلّ أكثر ما يلفت النظر في هذه الظاهرة، هو ليس وجودَها، بل اللغةَ التي غلّفتها. فالإنسان لم يكتفِ بممارسة الانتظار، بل أعاد تسميته؛ إذ سمّاه أملًا أو حلمًا أو تفاؤلًا أو إيمانًا بالمستقبل. وبهذه العملية اللغوية، تحوّل التأجيل إلى فضيلة أخلاقية. غير أنّ هذا التحوّل لا يغيّر من طبيعة الفعل ذاته. فالانتظار، مهما تزيّن لغويًا، يظلّ تعليقًا للفعل، وتأجيلًا للمواجهة. إذ أنه شكلٌ من أشكال الانسحاب الناعم من الحاضر، حيث يُستبدَل الفعل بإمكانية الفعل. وفي هذا السياق، تبدو مسرحية “في انتظار غودو” لصامويل بيكيت تجسيدًا مكثفًا لهذه الحالة. فالشخصيتان اللتان تتمحور المسرحية من حولهما لا تفعلان شيئًا سوى الانتظار، في زمنٍ لا يتحرك، ولشخصٍ قد لا يأتي. إنها صورة درامية لوجودٍ مُعلّق، لا يتقدّم ولا يتراجع، بل يدور في “فراغ الإمكان”.
ضمن الإطار الميتابايولوجي، يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها نتيجة مباشرة لما سمّيته بـ ”فائض التمثّل”. فحين تجاوزَ الإنسانُ حدودَ الإدراك الحِسي المباشر، وبدأ في إنتاج نماذج ذهنية تتجاوزُ الواقع، لم يعد محكومًا بما هو كائن، بل بما يمكن تخيّله. وهنا تحديدًا ينشأ الانتظار كمنتجٍ جانبي لقدرةِ الإنسان على تمثّل ما ليس موجودًا بعد. غير أنّ هذه القدرة، التي كان يمكن أن تكونَ أداةً للتخطيط، تحوّلت في كثيرٍ من الحالات إلى بديلٍ عن الفعل ذاته. فبدل أن تُستخدم الإمكانية لتحفيز الفعل، أصبحت تُستخدم لتأجيله.
وإذا ما انتقلنا إلى عالَم الحيوان، فإننا نجد نموذجًا مغايرًا تمامًا. فالحيوان لا ينتظر فريستَه، بل يطاردُها. فهو لا يؤجّل صيدَ اليوم إلى الغد “لعله يكون أفضل حالاً وقدرةً على مطاردةِ فريستِه والاقتتاتِ عليها، ولا يعلِّق “صراعَه من أجل البقاء” على حدثٍ محتمَلٍ قد يحدث أو لا يحدث؛ فجوعُ اليوم لا يُشبعه صيدُ الغد. فالحيوانُ يُحرِّكه منطقٌ بسيط، ولكنه حاسم، مفاده “لا شيء يأتي من لا شيء”. وهذا المبدأ، الذي يبدو بديهيًا في الطبيعة، يغيب في السلوك البشَري حين يُستبدَل الفعل بالانتظار. فبينما يتحرّك الحيوان ضمن اقتصادٍ صارم للطاقة والجهد، يبدِّد الإنسانُ وقتَه ووعيَه في توقُّع “ما لن يحدث إلا إذا ما تحرّك هو نحوه”.
وتبلغ هذه النزعة ذروتها في الإيديولوجيات والعقائد الطوباوية، حيث يتحوّل الانتظار إلى بُنيةٍ جماعية. فالتاريخ، وفقاً لهذه “الرؤى”، لا يُصنع بـ “الفعل” بل يُنتظَر المُخلص الذي يتكفل حين يجيء بصناعة أحداثه: بطلٌ أو قائد أو حدَث كَوني يُعيدُ ترتيبَ العالَم. وهنا لا يعودُ الانتظار مجرد سلوكٍ فردي، بل يصبح نظامًا معرفيًا قائمًا بِذاتِه، يُعيد إنتاجَ العجز على مستوى الجماعة. فبدل أن تُبنى المجتمعات على الفعل التراكمي، تُبنى على أملٍ مؤجَّل، غالبًا ما يتحوّل إلى دائرة مغلقة من الترقّب.
فإذا كان “اقتصاد الطبيعة” يقوم على ترشيد الفعل وربطه المباشر بالنتيجة، فإن الانتظار يمثل خرقًا لهذا الاقتصاد؛ فهو في حقيقة الأمر، استثمارٌ في اللاشيء، ومراهنةٌ على غيابِ الفِعل. ومن هنا يمكن اعتبارُه “نقيصةً ميتابايولوجية” تتمثل في أنه خللٌ نشأ مع التحويلةِ التطوريةِ الأولى، وذلك حين انفصل الإدراك عن حدودِه الحسية، وبدأ في إنتاج فائضٍ من الإمكانات التي لم تعد مرتبطةً بالفعل.
إن ما تقدم لا يعني، بأي حال من الأحوال، أن الأملَ ليس له أيُّ قيمة. فلا ضير هناك على الإطلاق من أملٍ إيجابي يحثُّ على القيام بـ “الفعل”، وذلك مقارنةً بأملٍ سلبي هو الانتظارُ بِعينه. فالأولُ هو امتدادٌ للإرادة، أما الثاني فبديلٌ عنها. إن استعادةَ التوازن تقتضي إعادةَ ربط الإمكان بالفعل، والتمثّل بالتحقُّق. أي العودة إلى مبدأ بسيط، أدركه الحيوان قبل الإنسان: “لا شيءَ يأتي من لاشيء”.

أضف تعليق