
ليس أخطر ما في الإنسان أنه يخطئ في فهم العالَم، بل أنه يُخطئ في فهم نفسه. ففي الوقت الذي كان يُفترض فيه أن يطوّر وعيًا أكثر اتساقًا مع انتمائه إلى النوع البشَري، إذا به ينزلق، بصورة متكررة وممنهجة، إلى وهمٍ غريب مفاده أنه أفضل من غيره، لا لشيء إلا لأنه وُلد داخل حدود جغرافية معينة، أو نطق بلغةٍ بِعَينها، أو انتسب إلى دين أو عِرق أو طبقة اجتماعية محددة. وهذا الوهم لا يظهر في صيغته الفجّة فقط، بل يتسرّب في أشكال أكثر “أناقة”، بل وربما أكثر خطورة.
فهو لا يقول دائمًا: “أنا أفضل”، بل يقول: “هذه الخصيصة لا توجد إلا عندنا”، و”هذا الفهم لا يدركه إلا نحن”، و “هذه الروح لا يحملها إلا أبناء ثقافتنا”. وهنا تحديدًا تبدأ المشكلة. فما يبدو للوهلة الأولى احتفاءً بالخصوصية، ينكشف عند تفكيكه بوصفه محاولة مستترة لإعادة إنتاج المفاضلة، ولكن بأدوات رمزية أكثر نعومة؛ فهو ليس اعترافًا بالتنوع، بل احتكارًا له. فنحن نسمع هذا الخطاب يتكرر عبر الأمم، وذلك كما يلي: هذا الطبع لا يظهر إلا عند الأسكتلنديين، وذاك الحس لا يفهمه إلا الإيرلنديون، وهذه الروح لا يعرفها إلا أهل ويلز، وتلك الميزة لا يحملها إلا سكان كورنول. غير أن الحقيقة، في بساطتها الصادمة، تُسقِط هذا البناء بالكامل. فالإنسان، أيّ إنسان، ليس حاملاً لجوهر ثقافي ثابت، بل هو نتاج شبكة معقدة من العوامل تتمثل في التنشأة والتعليم والبيئة والظروف الاقتصادية والسياق التاريخي. ولو أُعيد توزيع هذه العوامل ذاتها على أي فرد آخر، لَأمكنه أن يُنتج السلوكَ ذاته، وأن يتبنى القيم نفسها، وأن يتكلم اللغةَ ذاتها، بل وأن يشعر بأنه “ينتمي” إلى تلك الجماعة بنفس الدرجة من اليقين. وبعبارة أكثر حسمًا: كل البشر كان يمكن أن يكونوا اسكتلنديين أو إيرلنديين أو ويلزيين أو كورنوليين. كما كان يمكنهم أن يكونوا هنودًا حمرًا أو صينيين أو صقالبة. وكان يمكنهم أن يكونوا فلاحين أو جنودًا أو عمّالاً، ليس لأن الهويات وهمية بالكامل، بل لأن ثباتها المزعوم هو الوهم الحقيقي.
ولو نظرنا إلى هذا السلوك من منظور ميتابايولوجي، لوجدناه انحرافًا صارخًا عن “اقتصاد الطبيعة”. فالطبيعة لا تعترف بهذه الفوارق الرمزية، ولا تُهدر طاقتها في إنتاج هويات متخيّلة تتنازع التفوق. فالكائنات الحية، في بنيتها الأساسية موجّهة نحو البقاء والتناسل والتكيّف، لا نحو اختراع هويات تفاضلية لا وظيفة لها. أما الإنسان، فمنذ “التحويلة التطورية الأولى”، لم يعد يكتفي بالواقع كما هو، بل بدأ بإعادة إنتاجه داخل منظومات رمزية متضخّمة. وهنا نشأ ما يمكن تسميته بـ “فائض التمثّل”؛ ذلك الفائض الذي يجعل الإنسان لا يرى نفسه ككائن بايولوجي ضمن نوع، بل كهوية متخيّلة تتفوق على هويات أخرى متخيّلة. ومن داخل هذا الفائض تحديدًا، يولد “وٕهم التمايز”؛ وهذا التمايز هو ليس انعكاسًا لفروقاتٍ حقيقية، بل هو نتيجة تضخّم تمثلي يحوّل الاختلافات السياقية إلى جوهر ثابت، ثم يبني عليها هرمًا من “التفاضل القِيَمي”.
والمفارقة الأكثر إثارة هنا هي أن هذا السلوك لا يُمثّل فقط خطأً معرفيًا، بل خروجًا فعليًا على منطق النوع. فالإنسان، بدل أن يعزز وعيه بانتمائه إلى الكلّ البشَري، فإنه يعمل، بوعي أو بدون وعي، على تفكيك هذا الانتماء واستبداله بانتماءات جزئية متصارعة. فهو لا يكتفي بأن يكون مختلفًا، بل يحتاج إلى أن يكون أفضل. ولا يكتفي بأن ينتمي، بل يحتاج إلى أن يُقصي. وهنا يتحول “الاختلاف” من ظاهرة طبيعية إلى أداة صراع رمزي، تُستهلك فيها الطاقة النفسية والاجتماعية دون أي مردود تطوري حقيقي.
إن تفكيك هذا الوهم لا يقتضي إنكار الاختلاف، بل تحريره من وظيفته التفاضلية. فالاختلاف في ذاته ليس مشكلة؛ فالمشكلة تكمن في تحويله إلى مقياس للقيمة. وحين نُعيد هذا الاختلاف إلى سياقه الطبيعي، كسياق نتج عن ظروف تاريخية وجغرافية وتربوية، فإنه يفقد تلقائيًا قدرته على تبرير التفوق. بل أكثر من ذلك، نكتشف أن ما كنا نعدّه “خصوصية فريدة”، ليس سوى احتمال من بين احتمالات عديدة كان يمكن لأي إنسان أن يحققها لو وُضع في الظروف ذاتها.
يتبين لنا، وبتدبر كل ما تقدم، أن في نهاية المطاف، لا يكشف هذا الهوس بالتمايز عن قوة الهوية، بل يكشف عن هشاشتها. فالهوية الواثقة لا تحتاج إلى أن تثبت تفوقها، ولا أن تنفي غيرها. وما دام الإنسان مستمرًا في هذا الانشغال المحموم بإبراز اختلافه، فإنه يظل أسيرًا لفائض تمثّل يُبعده أكثر فأكثر عن ذاته البايولوجية البسيطة والتي فحواها أنه كائن ينتمي إلى نوع واحد ويعيش على كوكب واحد ويخضع في نهاية الأمر لنفس القوانين التي يخضع لها كل من يتوهم أنه “أقل منه”. وعندها فقط وحين يسقط هذا الوهم، يبدأ الإنسان، وللمرة الأولى، في الاقتراب، شيئاً فشيئاً، من إدراك حقيقته ككائن بشري ليس هناك شيء يميزه عن غيره من البشر ذو صلة بأصله العرقي وإرثه الثقافي وموروثه الديني وانتسابه الطبقي.
