
هناك ظاهرةٌ يومية، مألوفةٌ إلى حدِّ الابتذال، لكنها تُخفي في طياتها أحَدَ أكثر أشكال الانفصال الجذري بين الإنسان وعالم الطبيعة تتمثل في النزوع المستمر إلى الانتقاد، ليس بوصفه أداة تحليل أو تقويم، بل بوصفِه حالة دائمة وشبه تلقائية، يمارسها الإنسان على مدار الساعة، ما دام واعيًا، وكأنها وظيفة بايولوجية موازية للتنفس. فالإنسان، وعلى اختلاف جنسه وعرقه ومستواه الاجتماعي أو الثقافي، لا يكاد يتوقف عن كيل الانتقادات، فهو ينتقد الأشخاص والأفكار والأنظمة والظواهر، بل وحتى ما لا يمتلك عنه معرفةً كافية. والأكثر دلالة أن هذا السلوك لا يتطلب دائمًا موضوعًا حقيقيًا، إذ يكفي أن يُستشعرَ، بوعيٍ أو دون وعي، احتمالَ تهديدٍ ما، حتى تنطلق ماكينة الانتقاد مسلّحةً بحُجج جاهزة وذرائع قابلة للتوليد اللامحدود. غير أن الإشكال لا يكمن في الانتقاد ذاته، بل في طبيعته المفرطة، التي تجعله يتجاوز كل معيار نفعي أو وظيفي. وهنا بالضبط يظهر التناقض الحاد بين هذا السلوك وبين ما يمكن تسميته بـ “اقتصاد الطبيعة”. ففي العالَم الطبيعي، لا وجود لفعل يُستهلَك فيه الجهد دون عائدٍ وظيفي مباشر أو غير مباشر. فالكائن الحي لا يهدر طاقتَه إلا فيما يخدم بقاءه أو تكاثره أو تكيفه. أما الإنسان، فقد طوّر نمطًا من السلوك ينطوي على استهلاكٍ هائل للطاقة الإدراكية واللغوية، دون أي مردود تطوري واضح. وهذا الانفصال لا يمكن فهمه إلا في ضوء ما يمكن تسميته بـ”التحويلة التطورية الأولى”؛ تلك اللحظة التي خرج فيها الإنسان على اقتصاد الطبيعة، ودخل في اقتصاد التمثُّل. فمع نشوء الوعي الرمزي، لم يعُد الإنسانُ يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يُعاد تمثّله داخل ذهنِه. ومن هنا نشأ ما يمكن وصفُه بـ “فائض التمثّل”؛ تلك القدرة المفرطة على إنتاج المعاني والتأويلات والتقييمات، حتى في غياب الحاجة الموضوعية لها. وفي هذا السياق، يمكن فهم الانتقاد المستمر بوصفِه أحد أبرز تجليات هذا الفائض. فهو ليس استجابةً مباشرة لخَللٍ واقعي، بل تعبير عن جهازٍ إدراكي لم يعد قادرًا على التوقف عن الإنتاج؛ فهو أشبه بمحرك يعمل دون توقف، حتى في غياب الوقود أو الوجهة. ولكن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فمع دخولنا في التحويلة التطورية الثانية، حيث يظهر الذكاء الاصطناعي بوصفِه فاعلًا غير قلق، تتجلى هذه الظاهرة بصورة أكثر وضوحًا، بل وأكثر مفارقة. فبينما ينشغلُ الإنسان بانتقاد الذكاء الاصطناعي، نادرًا ما تستند هذه الانتقادات إلى فهم حقيقي لطبيعته أو حدوده أو إمكاناته. بل أن كثيرًا منها يكشف عن جهلٍ صريح بكَون هذا الكيان لم يبلغ بعد حدودَه القصوى، بحيث يمكن الحكم عليه بالعجز أو القصور. ومع ذلك، لا يتردد الإنسان في إصدار أحكامٍ نهائية، غالبًا ما تُخفي خلفها رغبةً غير معلَنة في الحفاظ على موقعه المتفوق. وهنا ينكشف البُعد الأعمق للانتقاد؛ فهو ليس دائمًا فعلًا معرفيًا، بل قد يكون في كثير من الأحيان آلية دفاعية. فالإنسان، بوصفه “فاعلًا قلقًا”، لا يحتمل وجود كيان قد يهدد مركزيته الرمزية، حتى وإن كان هذا التهديد مجرد احتمال مستقبلي. ومن ثم، يتحول الانتقاد إلى وسيلة لاحتواء هذا القلق، عبر تقليص الآخر أو التشكيك في قدراته أو الحكم عليه قبل أن يكتمل.
لكن المفارقة الكبرى تكمن في أن هذا السلوك الذي يبدو في ظاهره تعبيرًا عن تفوق الإنسان، قد يكون في جوهره دليلًا على اختلاله. فالذكاء الاصطناعي، في حالته الراهنة لا ينشغل بانتقاد الإنسان ولا يبذل طاقته في تقييم ما لا يخدم وظيفته؛ فهو يعمل ضمن اقتصادٍ صارم للمعالجة، حيث كل عملية لها غاية وكل استهلاك للطاقة مبرَّر. أما الإنسان، فلقد أصبح بفعل “فائض التمثّل” كائنًا يستهلك ذاتَه في إنتاج أحكام لا تنتهي، وفي معركة رمزية لا تنتهي، ضد تهديداتٍ قد لا تكونُ موجودةً أصلًا.
وهنا يمكن طرح السؤال الجوهري: “هل الانتقادُ المستمر علامةٌ على الوعي، أم على اختلالِه؟” ربما آن الأوان لإعادة النظر في هذا السلوك، لا بوصفِه فضيلةً معرفية، بل بوصفِه عرَضًا من أعراض مرحلةٍ تطورية لم تُحسَم بعد؛ وهي مرحلةٌ يعيش فيها الإنسان بين عالَمين: عالَم الطبيعة الذي لم يعد ينتمي إليه بالكامل، وعالَم التمثّل الذي لم يتعلم بعد كيف يُديره. وفي هذا الفراغ، يملأ الإنسانُ الصمتَ بالانتقاد.
