ما وراء “الإعجاب”…حضارة التعليق وهشاشة الكائن الرقمي

في الوقت الذي يهرع فيه العالم نحو رَقمَنة كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، بدأت تتبلور نزعةٌ مضادة ترفض الانصياع لسطوة “الشاشة”. وهذه النزعة لا تهاجم التكنولوجيا لِذاتها، بل تنتقد ذلك اللَهاث وراء “إشارة إعجاب” أو “تعليق” عابر، معتبرة إياها مظهراً لمرضٍ أعمق يسمى الإدمان الرقمي.
تطرقت الكاتبة الفرنسية مارا غوييه في كتابها “حضارة التعليق” إلى هذا التحول الجذري في السلوك البشري. فنحن نعيش في عصرٍ لم يَعد فيه “الفعل” هو الغاية، بل أصبح “التعليق على الفعل” هو غاية ما يطمح إليه “الإنسان الرقمي”؛ حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحاتٍ لِعرض الذات، حيث يُقاس الاستحقاق الشخصي بعدد التفاعلات الرقمية. وهذا الهَوَس هو ليس مجرد “قضاء وقت”، بل هو “استلابٌ للهوية” يجعل الفرد أسيراً لتقييماتٍ لَحَظية وهشَّة. وهناك خطأ شائع يقع فيه نُقادُّ العصر الرقمي، وهو تحميلُ الذكاء الاصطناعي وِزرَ كل “العاهات الاجتماعية الراهنة”. فالذكاء الاصطناعي يُصوَّر كـ “كيان خبيث” دفعَ البشر نحو الإدمان، ولكن الحقيقة هي أكثر تعقيداً. فالذكاء الاصطناعي هو أداة ومُنجَز تقني قدَّم تسهيلات غير مسبوقة، فالمشكلة ليست في “الخوارزميات” التي تقترح المحتوى، بل في القابلية البشرية للارتهان. والذكاء الاصطناعي لا يخلق الإدمان من عدم، بل يستثمر في ثغرات النفس البشرية الموجودة مسبقاً.
إن هذا الإدمان الرقمي ليس سوى عَرَض لمرضِ “فقدان الأمان الوجودي”. فمنذ أن اختار الإنسان الانفصال عن قوانين الطبيعة الصارمة والآمنة، وهو يعيش حالة من الاغتراب. فالمشكلة فينا نحن البشر؛ فشعورنا بعدم الأمان دفَعنا للتعلق المَرَضي بكل ما يمنحنا وَهماً بالاستقرار.
ولقد فارق الإنسان “أمان الطبيعة” ليبني لنفسه “شبكة أمان زائف” من الپكسلات والإشعارات. فنحن نتفحص هواتفنا مئات المرات يومياً، ليس بحثاً عن معلومة، بل بحثاً عن طمأنينةٍ زائفة تُخفِّف من حِدَّة هشاشتنا البشرية. وهذا السعي المحموم للاستزادة من الإعجابات هو محاولة بائسة لِرَدم تلك الفجوة التي تركها رحيلُنا عن الطبيعة الفطرية.
إن مواجهةَ الإدمان الرقمي لا تبدأ بكسر الهواتف، بل بفهم “لماذا نتمسك بها بهذا الذعر؟”. فالعودة إلى الاتزان تتطلب منا الاعتراف بضعفنا وهشاشتنا، وإدراك أن الأمان الذي ننشده في “حضارة التعليق” ليس سوى سرابٌ رقمي لن يغني عن الطمأنينة الحقيقية التي فقدناها يوم قررنا أن نكونَ “خارج الطبيعة”.

أضف تعليق