
إذا كان بالإمكان ردُّ السلوك الحيواني، في عمومه، إلى اقتصادٍ صارمٍ يحكمُه منطقُ البقاء والتناسل، فإن السلوكَ البشَري، خصوصًا في علاقتِه بالآخر، يبدو وكأنه خرجَ منذ زمنٍ بعيد على هذا الاقتصاد ليَغرقَ في فائضٍ من التمثّل جعل أبسط الفعاليات وأكثرها بداهةً تتحول إلى منظوماتٍ معقّدة قابلة للانفجار في أي لحظة. فالإنسان، بعد “التحويلة التطورية الأولى”، لم يعُد كائنًا يتفاعل مباشرة مع معطياتِ الواقع، بل أصبح كائنًا يُعيدُ تمثُّلَ هذا الواقع داخل منظومةٍ إدراكية متضخمة تُضيف إلى كلِّ فعلٍ طبقاتٍ من المعنى والتوقعِ والذاكرةِ والتأويلِ والقَلق. ومن هنا، لم تعُد العلاقةُ بالآخَر علاقةً بين كائنين يتشاركان لحظةً بايولوجية بِعينِها، بل أصبحت علاقةً بين تمثّلاتٍ متراكبة يحملُ كلُّ طرفٍ فيها تاريخَه وخوفَه وصورتَه عن نفسِه وتوقعاتِه من الآخَر. وفي هذا السياق، يغدو التعقيدُ ليس حالةً طارئة، بل سِمةً بنيويةً ملازمةً لكلِّ فعالية بشَرية ذات طابع علائقي. ولعل المثالَ الأكثرَ كشفًا لهذه المفارقة يتمثلُ في العلاقةِ الجنسية، بوصفِها من أكثرِ الفعالياتِ ارتباطًا بـ ”اقتصاد الطبيعة” في عالَمِ الحيوان، ومِن أكثرِها انفصالًا عنه في عالَمِ الإنسان. ففي العالَمِ الحيواني، تقومُ هذه العلاقةُ على بساطةٍ تكاد تكون صادمةً تتمثل في الاستجابة المباشرة لإشارةٍ بايولوجية، ضمن سياقٍ محدَّد سلفاً، دون أن تُحمّل بأي فائض دَلالي يتجاوزُ وظيفتَها. فلا تاريخَ يُستدعى ولا مستقبلَ يُقلِق ولا معنى يُفاوض عليه. فهي فعلٌ يقعُ وينتهي داخلَ حدودِ الضرورة. أما في العالم البشَري، فإن هذه العلاقةَ ذاتَها تتحولُ إلى ساحةٍ مزدحمةٍ بكل ما يمكن أن يُنتجَه “فائضُ التمثّل”: الحبُّ والغيرة والامتلاك والخيانة والذاكرة والتوقع والخذلان والسلطة والمعايير الاجتماعية والقيود الأخلاقية والصُّوَر الثقافية والتمثّلات الذاتية. فلم يعُد الجنسُ فِعلًا بايولوجيًا، بل أصبح نصًا مفتوحًا على تأويلاتٍ لا تنتهي.
وهنا بالضبط يبدأ التعقيد في أداءِ وظيفتِه التخريبية. فالعلاقةُ التي كان يُفترض أن تكونَ من أكثر الروابط مباشرة بين الفرد والنوع، تتحول إلى واحدةً من أكثرِها هشاشةً وقابليةً للتصدُّع. فالحياةُ الزوجية، التي يُفترض أن تشكل إطارًا مستقرًا لهذه العلاقة، تتحولُ في كثيرٍ من الأحيان إلى فضاءٍ مشحون بالتوترات الصامتة والصراعات المؤجَّلة وسوءِ الفهمِ المتراكِم. فتُبنى العلاقةُ ليس على ما هو كائن، بل على ما يجب أن يكون وعلى ما يخشاه كل طرف وعلى ما يتوقعه من الآخَر دون أن يُصرِّحَ به. ومع مرور الزمن، تتراكم هذه الطبقات حتى تفقد العلاقةُ قدرتَها على الاحتمال، فيظهر الطلاق لا بوصفِه حدثًا مفاجئًا، بل بوصفِه نتيجةً شبهَ حتمية لمسارٍ طويل من التعقيد الذي لم تتم إدارتُه كما ينبغي. وهو لا يُنهي المشكلة، بل يُعيد إنتاجَها في صُوَرٍ جديدة تتمثلُ في نزاعاتٍ قانونية وضغوطٍ اجتماعية وخسائرَ نفسية وإعادة تشكيلٍ مؤلِمة لهويةِ الأفراد. أما الضحيةُ الأكثرُ هشاشةً في هذا المشهد، فهُم الأطفال الذين يجدون أنفسَهم داخل شبكةٍ من التوترات لا يملكون أدواتِ فهمها ولا القدرةَ على حمايةِ أنفسِهم منها. فهم لا يشهدون فقط انهيار علاقة، بل يتشربون نموذجًا مشوَّهًا للعلاقة بالآخَر يُعيد إنتاجَ نفسه لاحقًا في حياتهم.
وإذا كان هذا هو الوجه “الظاهر للعيان” من هذا التعقيد، فإن له وجهًا أكثر عنفًا، يتمثل فيما يُعرف بـ”الجرائم العاطفية” أو ما يُسمّى ثقافيًا بـ”جرائم الشرَف”، حيث يتحول “فائض التمثّل”، المرتبط بالمُلكية والهوية والعار والصورةِ الاجتماعية، إلى مبرِّر مباشر للعنف، بل ولإزهاق الحياة. وهنا لا يعود التعقيد مجرد عبءٍ نفسي، بل يصبح قوةً مدمِّّرة.
إن ما تكشفه هذه الأمثلة ليس مجرد انحرافاتٍ فردية، بل بُنيةً أعمق تتمثل في انتقال الإنسان من اقتصاد الطبيعة القائم على المباشرة والوظيفية، إلى اقتصاد التمثّل القائم على التضخم الدَلالي. وفي هذا الانتقال، لم يخسر الإنسان بساطتَه فحسب، بل فقَد أيضًا قدرتَه على إدارة علاقاته ضمن حدودٍ يمكن التنبُّؤ بها. ومن هنا، يمكن القول إن التعقيد، في أحد أبعاده ليس علامةً على الرُّقي، كما يُتصور أحيانًا، بل قد يكون تعبيرًا عن اختلال في العلاقة بين التمثّل والواقع. فحين يتجاوز المعنى حدودَه، ويتضخم إلى درجةٍ يبتلعُ فيها الفِعلَ نفسَه تتحولُ العلاقةُ إلى عبءٍ، بدلَ أن تكونَ امتدادًا للحياة. ولعل التحدي الحقيقي الذي يواجه الإنسان اليوم لا يكمن في مزيد من إنتاج المعاني، بل في إعادة ضبط “اقتصاد التمثّل” ذاته وذلك في القدرةِ على تقليصِ الفجوة بين ما نعيشه وما نتخيله، وبين ما هو كائن وما نُحمِّله عليه من دلالات. فربما لا يكون الحل في تبسيط العالم، فذلك مستحيل، بل في الحدِّ من الإفراطِ في تعقيده.
