
بدأ العقدُ الأخير من القرنِ العشرين بما يشبه “النشوةَ التاريخية” في أروقةِ صنعِ القرار الأمريكي. فمع سقوطِ جدار برلين وتفكُّكِ الاتحاد السوفيتي، لم يكتفِ العالَم بمشاهدةِ انهيار قطبٍ سياسي، بل اندفع مُنظِّرو “غُرَف الاستطلاع” وخُبراءُ مراكزِ الفكر (Think Tanks) للتبشيرِ بعصرِ “نهاية التاريخ”. فكانت تلك الحقبةُ تتَّسِمُ بـ “رومانسيةٍ طفولية”، توهَّمت أن العالمَ قد تخلَّص نهائياً من صراعاتِ الموارد والهوية، ليدخلَ في مدارِ “العولمةِ المنبسطة” التي لا تحكمها سوى قوانينُ السوق الليبرالية.
وبينما كان فرانسيس فوكوياما ومَن سارَ في رَكبِه يروِّجون لانتصارِ “النموذج الغربي” كقَدَرٍ محتوم للبشرية، جاء دانيال يرغين في كتابِه “الخريطة الجديدة” ليذكِّرنا من جديد بأن التاريخ لا يتحرك بالرغبات، بل بخرائطِ الطاقة وأنابيبِ الغاز وسلاسلِ التوريد. فإذا كانت تسعينيات القرن العشرين قد سادها وهمٌ مفادُه أنَّ الجغرافيا ماتت، وأنَّ الحدودَ مجرد خطوطٍ وهمية ستُذيبُها التجارةُ العالمية، فإن كتاب “الخريطة الجديدة” قد أثبت أن الجغرافيا قد عادت لتنتقم. فما نراه اليوم في أوكرانيا، وفي بحر الصين الجنوبي، ليس صراعاً على “القِيَم” بقدرِ ما هو صراعٌ وجوديّ لتأمينِ المواردِ والسيادة الجيوسياسية.
غير أنَّ المفكرين الاستراتيجيين الأوروبيين تلقَّوا طروحاتِ يرغين، التي فاجأهم بها كتابُه “الخريطة الجديدة”، بانتقاداتٍ لاذعة، وذلك لأنها كشفت ما اعتوَرَ “الرومانسيةَ الخضراء”، والسياسيةَ التي غلَّفت القارةَ العجوز، من أخطاءٍ كارثية. فبينما كانت أوروبا تظن أنها تعيش في عصر “ما بعد الحداثة” حيث تُحَلُّ النزاعات عبرَ الحوار والاتفاقيات المناخية، كانت “الخريطة الجديدة” توضِّح أنَّ أمنَ هذه القارة لا يزال مرتَهناً لصمامات الغاز الروسي أو ناقلات الغاز الأمريكي.
إن أحداثَ الساعة، مِن أزمةِ الطاقة العالمية إلى سباقِ التسلُّح التكنولوجي، تقدِّمُ دليلاً دامغاً على أنَّ العالَم ليس “منبسطاً” كما توهَّمه توماس فريدمان، بل هو عالمٌ مليءٌ بـ “النتوءات” السيادية والمصالح القومية التي لا تخضعُ لمنطق “التبشير الديمقراطي”.
لقد كان الخطأ القاتل لـ “الرومانسية السياسية”، التي سادت الولايات المتحدة تسعينيات القرن العشرين، يكمن في اعتبارِ “اللحظة الأحادية القطبية” الأمريكية حالةً دائمة؛ حيث غفل المنظِّرون عن نمو قوى صاعدة لم تأبه بنهايةِ التاريخ بقدر ما اهتمت ببناءِ “خريطتِها الخاصة”. فالصين لم تنخرط في المنظومةِ الغربية لتصبحَ “ديمقراطيةً ليبرالية”، بل استخدمت أدواتِ العولَمة ذاتَها لتعزيزِ قوتِها القومية وبناءِ طريق حرير جديد. وروسيا لم تقبل بدَورِ “الخاسر المهزوم”، بل أعادت صياغةَ نفوذِها عبرَ سلاحِ الطاقة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن الفرقَ الجوهري بين تنبؤات ما بعد انهيار الإمبراطورية السوفيتية وبين “الخريطة الجديدة” يكمنُ في التواضعِ المعرفي. فبينما حاول منظِّرو التسعينيات فرضَ قالبٍ “مُتخيَّل” على العالم، قام يرغين بقراءةِ العالَم “كما هو”؛ عالَمٌ محكومٌ بالحاجةِ الماسَّة للموارد، وبالتنافسِ الشرِس على الممراتِ البحرية، وبالقوةِ التي تفرضُها حقائقُ الأرض لا خطابات الإيديولوجيا. فلقد انتهى زمن “الفرحة الطفولية”، واستيقظ العالَم على حقيقةِ أن التاريخ لم ينتهِ، بل كان في “استراحةِ محارب” ليعودَ بِجولةٍ أكثر ضراوة، مرسومةً بخرائطِ الطاقة والسيادةِ الوطنية.
إنَّ “السلامَ الدائم” في التسعينيات لم يكن إلا سراباً جيوسياسياً، غفلَ عن حقيقةِ أن التعطُّشَ للموارد أقوى من الوَعظ بالقِيَم. والدول التي بشَّرت بالعولَمة هي ذاتها التي تمارسُ اليوم أقسى أنواع “الحمائية التجارية” لتأمينِ مواردِها.
