
تسعى هذه المقالة إلى تحليل التعقيد بوصفِه سمةً بُنيوية في الفعالية البشرية، لا سيما فيما يتَّصل بِعلاقةِ الذات بالآخَر، من خلال إطارٍ ميتابايولوجي يربط بين هذا التعقيد وبين ما يُسمّى بـ”فائض التمثّل” الناتج عن “التحويلة التطورية الأولى”. وتُجادل المقالة بأن الإنسان، بخلاف الكائناتِ الأخرى، لم يعُد يتفاعل مع الواقع وفقَ اقتصادٍ طبيعي قائمٍ على المباشرة والوظيفية، بل عِبرَ منظومةٍ إدراكية متضخمة تُحمِّل الأفعال طبقاتٍ من المعنى والتأويل. وتستخدم العلاقةَ الجنسية بوصفِها حالةَ اختبارٍ نموذجية تُظهِر كيف تحوّلت فعالية بايولوجية بسيطة في عالَم الحيوان إلى بُنيةٍ معقدة في عالَم الانسان مشحونةٍ بالرمزية والتاريخِ والتوقُّع. كما تُبيّن المقالة كيف يؤدي هذا التعقيد إلى إنتاج أنماط من الاضطراب العلائقي، تتراوح بين التفكُّك الأُسَري والعنفِ العاطفي. وتخلُص إلى أن التعقيد ليس بالضرورة مؤشرًا على الرُّقي، بل قد يكون تعبيرًا عن اختلالٍٍ في “اقتصاد التمثّل”، الأمر الذي يستدعي إعادةَ ضبطِ العلاقة بين الإدراك والواقع.
تُفترض البساطةُ الوظيفية سمةً مركزية في السلوك الحيواني، حيث تُردّ الأفعال إلى منطقٍ اقتصادي صارم يخدمُ البقاءَ والتناسل. غير أنّ هذا النموذج يواجه تحديًا حادًا عند تطبيقه على الإنسان الذي يُظهر في كثير من سلوكياته انفصالًا ملحوظًا عن هذا الاقتصاد. ويبرز هذا الانفصال بوضوح في مجال العلاقات الإنسانية، حيث تتَّسمُ علاقةُ الذات بالآخَر بدرجاتٍ عالية من التعقيد، لا يمكن تفسيرُها ضمن الإطار البايولوجي التقليدي.
وتقترح هذه المقالة أنّ هذا التعقيد ليس عَرَضًا ثانويًا، بل نتيجةً مباشرة لتحوّلٍ إدراكي تأسيسي” التحويلة التطورية الأولى” الذي أدّى إلى نشوء ما يمكن تسميته بـ”فائض التمثّل”؛ أي تضخم القدرة البشرية على إنتاج المعنى بما يتجاوز الحاجةَ الوظيفية.
ويمكن فهم “فائض التمثّل” ضمن تقاطع بين الفلسفة ونماذج الإدراك المعاصرة، لا سيما ما يُعرف بـ”نماذج المعالجة التنبؤية” (Predictive Processing)، التي ترى أن الدماغ لا يستقبل الواقع بشكل سلبي، بل يبنيه من خلال توقعات مستمرة. غير أنّ هذه القدرة التنبؤية، التي تُعَد تكيفًا معرفيًا، قد تنقلب عند تجاوزها حدًا معينًا إلى مصدر اختلال، حيث يصبح الإدراك مُثقلاً بنماذج داخلية تفوق في كثافتها وتعقيدها المعطَيات الحِسية ذاتها. وفي هذا السياق، يمكن إعادة صياغة “اقتصاد الطبيعة” بوصفه نظامًا يحدّ من التمثّل لصالح الفعل، في حين يمثل الإنسان حالة خرج فيها التمثّل على هذا الاقتصاد ليتحوّل إلى مجال مستقل، بل ومهيمن.
ففي الكائنات غير البشرية، تتسم العلاقة بالآخر بدرجة عالية من المباشرة، حيث تُبنى على إشارات بايولوجية واضحة، وتخضع لسياقات محدَّدة سلَفاً. أما في الإنسان، فإن العلاقة بالآخَر لم تعد علاقة بين كائنين، بل بين تمثّلات متراكبة، تشمل الذاكرة والتوقع والهوية والخوف والتقييم الاجتماعي. ويؤدي هذا التراكم إلى تحويل العلاقة من حدَثٍ إلى بُنية، ومن فعلٍ إلى نَصٍّ قابلٍ للتأويل المستمر، ما يجعلها عرضة للتوتر والانهيار.
وتمثل العلاقة الجنسية مثالًا كاشفًا لهذا التحول. ففي عالم الحيوان، تُمارس هذه العلاقة ضمن إطارٍ وظيفي مباشر، دون تحميلها دلالات تتجاوز غايتها البايولوجية. أما في عالَم الإنسان، فإنها تتحول إلى مجال مركزي لإنتاج المعنى. وتشير دراسات في علم النفس الاجتماعي إلى أن السلوك الجنسي البشري يرتبط بأنظمة معقدة من التوقعات الثقافية والرمزية، بما يجعل التجربةَ الجنسية نفسها مشروطةً بسياقاتٍ غير بايولوجية. ولقد أدى هذا التحول إلى تضخيم احتمالات الصراع، حيث لا يتفاعل الأفراد مع الفعل ذاته، بل مع ما يمثّله بالنسبة لهم. وهنا يتجلى “فائض التمثّل” في أقصى صُوَرِه. ويترتب على هذا التعقيد سلسلةً من النتائج:
• التفكك الأُسَري، حيث تتحول العلاقات الزوجية إلى ساحات صراع صامت، نتيجة تراكم التوقعات غير المُعلَنة.
• الأذى النفسي للأطفال الذين يتعرضون لنماذج مشوَّهة للعلاقة بالآخَر.
• العنف العاطفي، وبما في ذلك ما يُعرف بـ”جرائم الشغف” أو “جرائم الشرف”، حيث يتحول التمثّل (العار والمُلكية والهوية) إلى دافع مباشر للعنف.
ويمكن فهم هذه الظواهر بوصفها تعبيرات متطرفة عن اختلال في العلاقة بين الإدراك والواقع، حيث يتفوق النموذج الذهني على المعطى الفعلي.
ومن منظور فلسفة العلم، يمكن مقارنة هذا الوضع بما أشار إليه توماس كون Thomas Kuhn حول الأطر النمذجية (paradigms)، التي قد تتحول من أدوات تفسير إلى قيود معرفية. كما أن تصور كارل بوبر Karl Popper حول قابلية الدحض يسلط الضوء على خطر التمسك بنماذج غير قابلة للتصحيح. وفي الحالة البشرية، يمكن القول إن “فائض التمثّل” يؤدي إلى إنتاج نماذج إدراكية يصعب تعديلها، حتى في مواجهة معطيات تناقضها، وبما يعمّق الفجوة بين الذات والواقع.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن التعقيد في العلاقات البشرية ليس مجرد نتيجة طبيعية لتطور الوعي، بل قد يكون مؤشرًا على اختلالٍ في “اقتصاد التمثّل”. فحين يتضخم المعنى إلى حد يطغى فيه على الفعل، تتحول العلاقة من وسيلة للاتصال إلى مصدر للاضطراب. وعليه، فإن التحدي لا يكمن في تقليل التعقيد بوصفِه ظاهرة، بل في إعادة ضبط العلاقة بين التمثّل والواقع، وبما يحدّ من التضخم الدلالي ويعيد للفعل بساطتَه الوظيفية.
