
يعيشُ العالَمُ اليومَ تحت وَطأةِ نَهجٍ سياسيٍّ أمريكي (بِقيادةِ ترمب) أطاحَ بكلِّ الرومانسياتِ الليبرالية التي سادت بعد انهيارِ الاتحادِ السوفيتي. وهذا النَّهج، الذي لا يؤمِنُ إلا بـ “القوةِ الطاغية” والاستئثارِ بالمَغنَم، يظنُّ أنَّ العالَمَ يمكنُ إدارتُه بعقليةِ “الجرَّافة” التي تُزيحُ كلَّ الخطوطِ الحمراء. لكنَّ هذا التصورَ يَغفَلُ حقيقةً جوهرية مفادها أنَّ العلاقاتِ الدُّوَلية ليست “صفقةً عِقاريةً” تنتهي بانتهاءِ التوقيع، بل هي صراعُ إراداتٍ وتاريخٌ لا يُمحى تحت وَطأةِ القوةِ الباغية.
وتُمثِّلُ الصينُ النموذجَ الأمثل لسياسةِ “النَفَس الطويل”. فالشخصيةُ الصينيةُ المعاصِرة هي نِتاجُ آلافِ السنين من الفلسفةِ الكونفوشيوسية واستراتيجياتِ “سون تزو”. فهي تمتلكُ الصبرَ الاستراتيجي؛ حيث أنَّ الصينَ لا ترى في “القوةِ الباغية” الأمريكية قدراً نهائياً، بل تنظرُ إليها كـ “موجةٍ هائجة” في محيطِ الزمنِ الصيني الممتد. كما أن لدى الصين القدرةَ على امتصاصِ الصدَمات والانحناء أمام العاصفة دون ان تنكسر، بانتظار اللحظة التي تستنزفُ فيها القوةَ الطاغية نَفَسَها من الداخل. فـ “قرونُ الإذلال” التي عاشتها الصين في الماضي علَّمتها أن السيادةَ لا تُسترَد بالصراخ، بل ببناءِ القواعدِ الاقتصادية الصلبة التي تجعلُ من القوةِ العسكرية للخصم عِبئاً مالياً عليه قبل أن تكونَ تهديداً لها.
وعلى الجانبِ الآخَر، تبرزُ الشخصيةُ الروسية التي صقلتها تجاربُ الغزو المتكررة (من نابليون إلى هتلر) وحروب الاستنزاف الطويلة. فالشخصيةُ الروسية تمتلكُ قدرةً فريدة على “العَيش في ظلِّ الضغط”. فموسكو ترى أن القوةَ الطاغيةَ الغربية ليست أمراً جديداً، بل هي استمرارٌ لِنَمَطٍ تاريخي يحاولُ دائماً تطويقَها. فهي تمتلكُ النفسيةَ القِتالية؛ حيث أنَّ الرُّوسَ يدركون أن “الحِنكةَ السياسية” تكمنُ في تحويلِ نِقاطِ قوةِ الخصم إلى نقاطِ ضعف. فالعنادُ الروسي التاريخي يراهنُ على أنَّ المجتمعاتِ الغربيةَ المرفَّهة لن تتحملَ تَبعاتِ “القوةِ الباغية” (كالتضخمِ واضطرابِ سلاسلِ التوريد) ولمُدَدٍ من الزمان طويلةٍ، بينما اعتادَ الإنسانُ الروسي تاريخياً على التضحيةِ والصبر لتحقيقِ الأهدافِ الجيوسياسية الكبرى.
إن إصرارَ واشنطن على “الاستئثار بالمكسب”، وتجاهلِ لغةَ المصالح المتبادلة، هو في حقيقةِ الأمر مكمنُ ضعفٍ وليس مصدرَ قوة. فالعالَمُ الذي رسمه دانيال يرغين في “الخريطةِ الجديدة” هو عالَمٌ متشابِكٌ عضوياً. فالقوةُ الباغية قد تؤمِّنُ مكسباً سريعاً، لكنها تعجزُ عن بناءِ “نظامٍ” مستدام. والحِنكةُ السياسية تقتضي إدراكَ أنَّ “العالَم كما هو” (برؤيةٍ واقعيةٍ مشذَّبة) يتطلَّبُ شركاءً لا أتباعاً. فعندما يشعرُ الطرفُ الآخَر بأنه لا يملكُ شيئاً ليخسرَه، تتحولُ القوةُ الطاغية إلى محرِّكٍ للفوضى التي ستحرقُ الجميعَ في النهاية.
وفي نهايةِ المطاف، سيكتشفُ مُنظِّرو “القوةِ الطاغية” في واشنطن أنَّ قاموسَ العلاقاتِ الدولية يحتوي على مفرداتٍ مثل “الكرامةِ القومية” و”التوازن” و”المصالحِ المشترَكة”، وهي مفرداتٌ لا يمكن محوُها بالتهديد. إن المراهنةَ على انكسارِ الصين وروسيا تحت وطأةِ الضغط هي مراهنةٌ خاسرة، لأنها تتجاهلُ المحركَ الأقوى في التاريخ والمتمثل في إرادةِ الشعوب وقدرتِها المدهشة على الصمود والمنازَلة والتي تستعصي على كلِّ محاولةٍ لتفسيرِها والتعليلِ لها بمفرداتٍ لا يبدو أنَّ هؤلاء المنظِّرين يَعرِفون سواها. فهذه الشعوب لا تُقاس قوتُها بما تملكُه من أسلحة، بل بما تملكُه من قدرةٍ على الصبرِ والانتظار حتى تأفلَ شمسُ القوةِ التي لا يَحكمُها عقلٌ ولا حِنكة.
