فائضُ التعقيد وحدودُ التخصُّص… قراءةٌ ميتابايولوجيةٌ نقدية لكتابِ “الجنس الثاني” لـ سيمون دو بوفوار

يُعَدُّ كتابُ “الجِنس الثاني” (Le Deuxième Sexe) لـ سيمون دو بوفوار أحدَ أبرزِ النصوصِ المؤسَّسةِ للفِكرِ النَّسَوي المعاصِر، إذ سعى إلى تفكيكِ البُنى التاريخية والثقافية التي أسهمت في تحويلِ المرأة إلى “الآخَر” داخل النظام الرمزي الذكوري. غير أن هذا الجهد، على ما ينطوي عليه من عمقٍ تحليلي، يظلُّ ضمنَ قراءةٍ ميتابايولوجية، أسيرًا لإطارٍ تخصُّصي يختزلُ ظاهرةَ الاضطهاد في بُعدها الجندري، ويغفلُ البُنيةَ الأعمق التي تُنتجُ الاضطهادَ بوصفِه سلوكًا بشريًا عامًا. فالرِّهان هنا لا يتمثلُ في نَفي وجودِ اضطهادٍ نَوعي للمرأة، بل في مُساءلةِ الإطارِ التفسيري الذي يعزلُه عن شبكةٍ أوسع من علاقاتِ القوة، ويَحُولُ دون إدراكِه كعَرَضٍ من أعراضِ خَلَلٍ بُنيوي أعمّ في الكائنِ البشري نفسه.
وتقومُ أطروحةُ دو بوفوار على أنَّ المرأةَ لم تولد “آخَرًا” بل أصبحت كذلك عِبرَ مسارٍ تاريخي وثقافي طويل. غيرَ أنَّ هذا التصوُّرَ، رغمَ وجاهتِه، يظلَّ قاصرًا إذا ما فُهِم بمعزلٍ عن ظاهرةٍ أوسع فحواها تحويلُ كل ما هو أضعف إلى “آخَر”. فالتاريخُ البشَري لا يُقدِّمُ نموذجًا واحدًا للاضطهاد، بل سلسلةً متداخلة من أشكالِه والمتمثِّلة في الاضطهادِ العِرقي والديني والطَبَقي والسُّلالي، بل وحتى النَّوعي، وذلك كما يتجلَّى في ظُلمِ الإنسان للحيوان. وفي كل هذه الحالات، لا يبدو “الاختلافُ” هو العاملَ الحاسم، بل “اختلالَ ميزانِ القوة”. فالآخَر ليس المرأة تحديدًا، بل كلُّ من يقعُ في موقعِ العجز عن الرَّدع. وبهذا المعنى، يمكن القول بأن “الأنوثة” في تحليلِ دو بوفوار ليست إلا حالةً خاصة ضمن نمطٍ عام، هو نمط إنتاج “الآخَر” انطلاقًا من تفاوتِ القدرة، لا من اختلافِ الهوية، وهذا ما عجزت دو بوفوار عن ادراكه.
فإذا كان السلوكُ الحيواني، في عمومِه، خاضعًا لِما يمكنُ تسميتُه بـ”اقتصادِ الطبيعة” حيث تُضبَط الأفعالُ بمنطقِ البقاءِ والتناسل، فإن السلوكَ البشَري، بعد ”التحويلةِ التطوريةِ الأولى”، قد انفصلَ عن هذا الاقتصاد ليَدخُلَ في طَورِ “فائضِ التمثّل”. وفي هذا الطور، لم يعُد الفعلُ استجابةً مباشرةً لمُعطىً واقعي، بل أصبح محمّلًا بطبقاتٍ من المعنى والتأويلِ والذاكرةِ والقلق. ومن هنا، لم يعُد الاضطهادُ مجرد ممارَسةً نَفعية، بل تحوّلٌ إلى بُنيةٍ رمزيةٍ معقّدة تُبرَّر ويُعاد إنتاجُها عبر الإيديولوجيا والثقافة. غير أن دو بوفوار، رغم تحليلِها العميق للبُنى الرمزية، لم تربط هذا التعقيد بجذرِه الميتابايولوجي، أي بالتحولِ في بُنيةِ الإدراك البشَري نفسه. فهي تصفُ الظاهرةَ بِدقةٍ، لكنها لا تفسّر مَنشأها الأعمق.
إنَّ الخلَلَ الجوهري في مقاربةِ كتاب “الجنس الثاني” لا يكمنُ فيما تقولُه دي بوفوار، بل فيما لا تقولُه. إذ تَغيبُ عن تحليلِها فرضيةٌ أساسية مفادُها أنَّ الإنسانَ، بعد التحويلةِ التطوريةِ الأولى، المفسَّرة ميتابايولوجيًا من خلال حدَث “أكلِ آدم من الشجرة”، أصبح كائنًا يُعاني من اختلالٍ في توازنِه الإدراكي. وهذا الاختلالُ لا يَظهر فقط في إنتاجِ المعنى الزائد، بل في ميلٍ منهجي إلى استثمارِ هذا الفائض في السيطرةِ على الكائن الأضعف. فالاضطهادُ، وفق هذا التصوُّر، ليس انحرافًا طارئًا، بل نتيجةٌ حتمية لكائنٍ يمتلكُ قدرةً تمثُّلية تفوقُ قدرتَه على الضبط.
ومن هنا، فإن التركيزَ على “المرأة” بوصفِها ضحيةٌ رئيسة، دون إدراجِها ضمن منظومةٍ أوسع من إنتاجِ الضعف واستثمارِه، يؤدي إلى تشخيصٍ جزئي لا يطالُ العلةَ الحقيقية.
إن إعادةَ قراءةِ الاضطهاد في ضوءِ هذا الإطار تقتضي الانتقالَ من تحليلٍ جَندَري إلى تحليلٍ بُنيوي. فالسؤالُ لم يعُد: لماذا اضطُهدَت المرأة؟ بل: لماذا يُنتجُ الإنسانُ الاضطهادَ أصلًا؟ وعند هذا المستوى، تتقاطعُ كلُّ أشكالِ التميُّيز ضد النساء والأقليات والحيوان، بوصفِها تجلياتٍ لنمطٍ واحد يكمنُ في استغلالِ اختلالِ القوة في سياقٍ إدراكي متضخم. فالمرأةُ لم تُضطهَد لأنها امرأة، بل لأنها في لَحظاتٍ تاريخية طويلة كانت الطرفَ الأضعف في معادلةِ القوة. وهو ما ينطبقُ، بدرجاتٍ مختلٍفة، على كلِّ مَن لم يمتلكُ القدرةَ على الردع.
تقدِّمُ هذه المقالة أفقًا جديدًا لفهمِ الاضطهاد، لا بوصفِه ظاهرةً خاصة بفئةٍ معينة، بل كعَرَضٍ من أعراضِ “ما بعد التحويلةِ التطوريةِ الأولى”. فكما أنَّ فائضَ التمثّل قد أنتجَ التعقيدَ في اللغةِ والعلاقةَ بالآخَر والوعي بالذات، فإنه أنتجَ أيضًا قابليةً مفرَطةً لاستغلالِ الضعف. وبهذا، يصبح تجاوزُ الاضطهاد مرهونًا ليس بإعادةِ توزيعِ القوةِ فحسب، بل بإعادةِ ضبطِ العلاقةِ بين التمثُّلِ والفِعل؛ أي بالعودةِ إلى نوعٍ من “الاقتصاد التمثُّلي” الذي يكبحُ جماحَ هذا الفائض.
يتبينُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدم، أنَّ هذه المقالةَ لا تسعى إلى تقويضِ مشروعٍ دو بوفوار، بل إلى إعادةِ إدراجِه ضمنَ إطارٍ أوسع يكشفُ حدودَه. فكتابُ “الجنس الثاني” ينجحُ في تفكيكِ أحَدِ أشكال الاضطهاد، لكنه يفشل في ربطِه بالبُنيةِ التي تنُتجه. ومن هنا، فإن التحدِّي الحقيقي لا يكمنُ في الدفاعِ عن المرأة بوصفِها ضحيةً، بل في فهمِ الإنسان بوصفهِ منتِجًا للضحية؛ حيث إنه ينتقل من سؤال: “من هو المضطهِد؟” إلى سؤالٍ أكثرَ جذريةً: لماذا يُنتِجُ الإنسانُ الاضطهادَ أصلًا؟ وفي هذا الانتقال، لا تعودُ المرأة “الجنس الثاني”، بل يصبحُ الإنسانُ، بكلِّ تاريخِه، كائنًا في أزمةٍ بُنيوية لم تُفهَم بعدُ على نحوٍ كافٍ.

أضف تعليق