
لَيْسَ أَخْطَرُ مَا فِي التَّارِيخِ الْإِنْسَانِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْبَشَرِ قَدْ مَارَسُوا الْعُنْفَ ضِدَّ غَيْرِهِمْ، بَلْ أَنَّهُمْ نَجَحُوا فِي كُلِّ مَرَّةٍ تَقْرِيبًا فِي تَبْرِيرِ هَذَا الْعُنْفِ انْطِلَاقًا مِنْ دَعْوَى أَنْطُولُوجِيَّةٍ مُفَادُهَا أَنَّ الضَّحِيَّةَ، بِطَرِيقَةٍ أَوْ بِأُخْرَى، لَا تَسْتَوْفِي شُرُوطَ الْإِنْسَانِيَّةِ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ. وَهُنَا تَكْمُنُ الْمُعْضِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ؛ إِذْ لَا يَعُودُ الصِّرَاعُ صِرَاعَ مَصَالِحَ أَوْ مَوَارِدَ، بَلْ يَتَحَوَّلُ إِلَى صِرَاعٍ عَلَى تَعْرِيفِ الْإِنْسَانِ نَفْسِهِ.
لَقَدْ دَرَجَ الْفِكْرُ الْبَشَرِيُّ، فِي صِيغَتِهِ الْأَخْلَاقِيَّةِ الْحَدِيثَةِ، عَلَى اعْتِبَارِ «الْإِنْسَانِيَّةِ» مِعْيَارًا كَافِيًا لِضَمَانِ الِاحْتِرَامِ الْمُتَبَادَلِ بَيْنَ الْبَشَرِ. غَيْرَ أَنَّ هَذَا الِافْتِرَاضَ، عَلَى وَجَاهَتِهِ الظَّاهِرِيَّةِ، يَصْطَدِمُ بِوَاقِعٍ تَارِيخِيٍّ وَمُعَاصِرٍ يَكْشِفُ عَجْزَهُ الْبِنْيَوِيَّ. فَالْإِنْسَانُ لَمْ يَتَرَدَّدْ يَوْمًا فِي إِعَادَةِ تَعْرِيفِ «الْإِنْسَانِ» بِمَا يَخْدِمُ مَوْقِعَهُ هُوَ، لَا بِمَا يَعْكِسُ حَقِيقَةً جَامِعَةً. فَتَارَةً يُقْصَى الْآخَرُ لِأَنَّهُ «أَقْرَبُ إِلَى الْحَيَوَانِ» مِنْهُ إِلَى الْإِنْسَانِ، وَذَلِكَ لِافْتِقَارِهِ لِلتَّهْذِيبِ فِي كُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ سُلُوكٍ، وَأُخْرَى لِأَنَّهُ «لَمْ يَبْلُغْ مُسْتَوَى الْفَهْمِ»، وَمَرَّةً لِأَنَّهُ «خَارِجُ النَّسَقِ الْحَضَارِيِّ»، وَهَكَذَا تَتَوَالَدُ التَّخْرِيجَاتُ الَّتِي تَسْمَحُ بِإِقْصَاءِ الْآخَرِ دُونَ الشُّعُورِ بِانْتِهَاكِ مَبْدَأ «الْإِنْسَانِيَّةِ».
فَالْمُشْكِلَةُ إِذًا لَا تَكْمُنُ فِي غِيَابِ مِعْيَارٍ، بَلْ فِي قَابِلِيَّةِ الْمِعْيَارِ ذَاتِهِ لِلِاخْتِرَاقِ. فَـ«الْإِنْسَانِيَّةُ» بِوَصْفِهَا وَصْفًا لِمَا هُوَ كَائِنٌ، تَظَلُّ عُرْضَةً لِإِعَادَةِ التَّشْكِيلِ وَفْقَ الْأَهْوَاءِ وَالتَّمَثُّلَاتِ. وَمِنْ هُنَا تَنْشَأُ الْحَاجَةُ إِلَى نَقْلَةٍ مَفْهُومِيَّةٍ، مِنَ الْإِنْسَانِ بِوَصْفِهِ «كَائِنًا مُتَحَقِّقًا» إِلَى الْإِنْسَانِ بِوَصْفِهِ «إِمْكَانًا مَفْتُوحًا» عَلَى إِمْكَانَاتٍ يَتَعَذَّرُ إِحْصَاؤُهَا.
وَالْآنَ، إِذَا مَا أُعِيدَ تَعْرِيفُ الْإِنْسَانِ لَا بِمَا هُوَ عَلَيْهِ فِعْلًا، بَلْ بِمَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ، فَإِنَّنَا نَنْتَقِلُ مِنْ أَرْضِيَّةٍ تَصْنِيفِيَّةٍ إِلَى أُفُقٍ حَرَكِيٍّ. فَالْإِنْسَانُ، فِي هَذَا التَّصَوُّرِ، لَيْسَ حَالَةً مُكْتَمِلَةً يُمْكِنُ قِيَاسُ الْآخَرِينَ عَلَيْهَا، بَلْ مَشْرُوعٌ مَفْتُوحٌ لَا يَكْتَمِلُ أَبَدًا. وَهُنَا يَظْهَرُ مَفْهُومُ «الْإِنْسَانِيَّةِ الْكَامِلَةِ»، لَا بِوَصْفِهِ صِفَةً مُتَحَقِّقَةً لَدَى فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، بَلْ بِوَصْفِهِ أُفُقًا تَنْظِيمِيًّا يَسْتَحِيلُ امْتِلَاكُهُ. فَلَا أَحَدَ «إِنْسَانٌ كَامِلٌ»، وَلَا يُمْكِنُ لِأَيِّ جَمَاعَةٍ أَنْ تَدَّعِيَ احْتِكَارَ هَذَا الْكَمَالِ. وَبِهَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّ كُلَّ ادِّعَاءٍ بِالتَّفَوُّقِ سَيَتَحَوَّلُ تِلْقَائِيًّا إِلَى تَنَاقُضٍ ذَاتِيٍّ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ يَدَّعِي الْكَمَالَ يُثْبِتُ، فِي اللَّحْظَةِ ذَاتِهَا، جَهْلَهُ بِطَبِيعَتِهِ بِوَصْفِهِ «كَائِنًا نَاقِصًا» يَسْعَى «صَوْبَ الْكَمَالِ وَالِاكْتِمَالِ».
إِنَّ الْمُقَارَبَةَ الْجَدِيدَةَ الَّتِي تَقْتَرِحُهَا هَذِهِ الْمَقَالَةُ تَقُومُ عَلَى أَسَاسٍ مِنْ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ لَا تَعْنِي اشْتِرَاكَ الْبَشَرِ فِي صِفَةٍ إِيجَابِيَّةٍ مُكْتَمِلَةٍ، بَلْ عَلَى اشْتِرَاكِهِمْ فِي عَدَمِ اكْتِمَالِهِمْ. فَنَحْنُ لَا نَتَسَاوَى لِأَنَّنَا جَمِيعًا «إِنْسَانِيُّونَ بِمَا يَكْفِي»، بَلْ لِأَنَّنَا جَمِيعًا لَسْنَا كَذَلِكَ بِمَا يَكْفِي.
وَهَذَا التَّحَوُّلُ يُجَرِّدُ أَيَّ سُلْطَةٍ مِنْ مُبَرِّرِهَا الْأَنْطُولُوجِيِّ. فَلَا يَعُودُ بِإِمْكَانِ فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ أَنْ تَزْعُمَ أَنَّهَا تُمَثِّلُ «الْإِنْسَانَ كَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ»، وَبِالتَّالِي لَا يَحِقُّ لَهَا أَنْ تَفْرِضَ وِصَايَتَهَا عَلَى الْآخَرِينَ. إِذْ إِنَّ الْجَمِيعَ، دُونَ اسْتِثْنَاءٍ، يَقِفُونَ عَلَى الْمَسَافَةِ ذَاتِهَا مِنْ هَذَا الْأُفُقِ الْمُسْتَحِيلِ.
فَحِينَ يُفْهَمُ الْإِنْسَانُ بِوَصْفِهِ إِمْكَانًا، لَا يَعُودُ الْآخَرُ مَوْضُوعًا لِلتَّقْيِيمِ بِقَدْرِ مَا يُصْبِحُ شَرِيكًا فِي الْمَسَارِ ذَاتِهِ. فَبَدَلًا مِنْ أَنْ نَسْأَلَ: «هَلْ يَسْتَحِقُّ هَذَا أَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا؟»، يُصْبِحُ السُّؤَالُ: «كَيْفَ نَتَحَرَّكُ مَعًا وَنَحْنُ نَحْمِلُ الْهَمَّ ذَاتَهُ؟». وَبِهَذَا الْمَعْنَى، لَا تَعُودُ «الْإِنْسَانِيَّةُ الْكَامِلَةُ» أَدَاةً لِإِقْصَاءِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهَا، بَلْ مِعْيَارًا يَمْنَعُ أَصْلًا أَيَّ ادِّعَاءٍ بِبُلُوغِهَا. إِنَّهَا مَفْهُومٌ مُضَادٌّ لِلْوِصَايَةِ، لَيْسَ لِأَنَّهَا تَفْرِضُ مُسَاوَاةً أَخْلَاقِيَّةً مِنَ الْخَارِجِ، بَلْ لِأَنَّهَا تُفَكِّكُ مِنَ الدَّاخِلِ كُلَّ ادِّعَاءٍ بِالتَّفَوُّقِ.
يَتَبَيَّنُ لَنَا، وَبِتَدَبُّرِ مَا تَقَدَّمَ، أَنَّ أَخْطَرَ الْأَوْهَامِ الَّتِي ابْتَكَرَهَا الْإِنْسَانُ هُوَ اعْتِقَادُهُ أَنَّهُ بِإِمْكَانِهِ أَنْ يَكُونَ مِعْيَارًا لِلْإِنْسَانِ. وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الْقِيمَةَ الْحَقِيقِيَّةَ لِمَفْهُومِ «الْإِنْسَانِيَّةِ الْكَامِلَةِ» لَا تَكْمُنُ فِي كَوْنِهِ هَدَفًا يُمْكِنُ الْوُصُولُ إِلَيْهِ، بَلْ فِي كَوْنِهِ أَدَاةً فَلْسَفِيَّةً تُسْتَخْدَمُ لِنَفْيِ كُلِّ مَنْ يَدَّعِي الْوُصُولَ. فَحِينَ يُصْبِحُ الْكَمَالُ أُفُقًا لَا يُمْتَلَكُ، تَتَحَوَّلُ الْمُسَاوَاةُ مِنْ شِعَارٍ أَخْلَاقِيٍّ هَشٍّ إِلَى ضَرُورَةٍ أَنْطُولُوجِيَّةٍ، لَيْسَ لِأَنَّنَا مُتَسَاوُونَ فِيمَا نَحْنُ عَلَيْهِ، بَلْ لِأَنَّنَا مُتَسَاوُونَ فِي عَجْزِنَا عَنْ أَنْ نَكُونَ مَا نَدَّعِيهِ.
