حقيقة الوجود بين الأنطولوجيا وفائض التمثّل… قراءة ميتابايولوجية في أزمة التعريف

يُفترض من حيث المبدأ، أن يكون لمصطلح “حقيقة الوجود” مدلولٌ واحدٌ متماسك، بوصفه يشير إلى ما هو قائم بذاته خارج أطر الإدراك البشري. غير أنّ الواقع المعرفي يكشف مفارقة عميقة. فبدلاً من أن يحظى هذا المصطلح بإجماع أو حتى تَقارُبٍ تأويلي، نجده غارقًا في بحرٍ من التعريفات المتضاربة، التي لا يقتصر اختلافها على التفاصيل، بل يمتد إلى البنية التأسيسية لفهم الوجود ذاته. وهنا تتجلى الإشكالية؛ إذ كيف يمكن لشيء واحد، إن كان واحدًا حقًا، أن يُعرَّف بهذا القدر من التناقض؟ فهذه المفارقة لا يمكن ردّها ببساطة إلى قصور معرفي عابر، بل تستدعي إعادة النظر في العلاقة بين “الوجود في ذاته” و”الوجود كما يتمثّله الإنسان”، أي بين الحقيقة الأنطولوجية والحقيقة التمثّلية.
فالحقيقة الأنطولوجية تشير إلى الوجود في استقلاله عن الوعي البشري، أي إلى ما هو كائن بصرف النظر عن إدراكنا له. وفي هذا المستوى، لا يتعدد الوجود، ولا يتشظى إلى قراءات متناقضة، بل يظلّ واحدًا، متماسكًا، محكومًا ببنية لا تعتمد في قيامها على التفسير. ولكن هذه الحقيقة، رغم افتراض وحدتها، تبقى غير مُدركة مباشرة. فالإنسان لا يصل إلى الوجود “كما هو”، بل عبر وسائط إدراكية، عصبية، لغوية، وثقافية. ومن هنا يبدأ الانزلاق.
فإذا كان الوجود الأنطولوجي واحدًا، فإن الوجود التمثّلي متعدد بالضرورة. فالإنسان، ومنذ “التحويلة التطورية الأولى”، كما يقترح الإطار الميتابايولوجي، لم يعد يتفاعل مع الواقع مباشرة، بل أصبح يعيد بناءه داخل منظومة إدراكية مشبعة بالتوقع والذاكرة والخوف والرغبة واللغة. وهذه المنظومة لا تنقل الواقع، بل تعيد إنتاجه. وهنا يظهر ما يمكن تسميته بـ”فائض التمثّل”؛ وهي تلك القدرة البشرية على إضافة طبقات من المعنى لا يقتضيها الواقع نفسه. فالإنسان لا يرى الشيء كما هو، بل كما ينبغي أن يكون أو كما يخشاه أو كما يرغب فيه. وبذلك، لا يعود “الوجود” موضوعًا للإدراك، بل مادة لإعادة التشكيل.
وفي ضوء ما سبق، يمكن فهم تعدد تعريفات “حقيقة الوجود” لا بوصفه ثراءً معرفيًا، بل بوصفه عرضًا لخلل بنيوي في العلاقة بين الإنسان والواقع. فكل تعريف لا يعبّر عن الوجود في ذاته، بل عن تمثّل خاص له، مشروط بسياق ثقافي أو ديني أو فلسفي أو نفسي. ومن هنا، فإن التناقض بين هذه التعريفات ليس مفاجئًا، بل حتمي. لأن ما يتصارع ليس “الوجود”، بل تمثّلاته. إنّ كل منظومة فكرية تدّعي أنها تملك “حقيقة الوجود”، إنما تمارس من حيث لا تدري، فعل إسقاط؛ فهي تُسقِط بنيتها الداخلية على العالم، ثم تعود لتتعامل مع هذا الإسقاط بوصفه حقيقة موضوعية.
إن ما يميّز الإنسان عن سائر الكائنات، من منظورٍ ميتابايولوجي، ليس فقط قدرته على التمثّل، بل قدرته على تعديل هذا التمثّل إضافةً وحذفًا وتحويرًا وتبديلًا. وهذه القدرة، التي قد تبدو ميزة معرفية، تتحول في كثير من الأحيان إلى أداة تشويه.
فالإنسان لا يكتفي بسوء الفهم، بل يُصرّ على إعادة تشكيل ما لا يتوافق مع بنيته الإدراكية. وإذا عجز عن تغيير الواقع، غيّر تعريفه. وهنا تتجلى ذروة الأزمة، حين يصبح التعريف بديلاً عن الحقيقة.
وبناءً على ما سبق، يمكن القول إن الإشكالية لا تكمن في “حقيقة الوجود” ذاتها، بل في الطريقة التي نحاول بها الإمساك بها. فالمشكلة ليست في أن الوجود غامض، بل في أن أدواتنا في فهمه مشبعة بما يكفي لتشويهه. وعليه، فإن “حقيقة الوجود” لا تظهر لنا كما هي، بل كما تسمح به بنية تمثّلية متضخمة، تعمل، بوعي أو دون وعي، على إعادة تشكيل كل ما تقع عليه.
فإذا كانت “التحويلة التطورية الأولى” قد أدخلت الإنسان في هذا الفائض التمثّلي، فإن التحدي المعرفي اليوم لا يتمثل في إنتاج تعريف جديد لـ”حقيقة الوجود”، بل في تقليص الفجوة بين الوجود وتمثّلاته. وهذا لا يتحقق عبر مزيد من التنظير، بل عبر وعي نقدي بالبنية الإدراكية ذاتها (كيف نرى؟ وكيف نفسّر؟ وكيف نُسقِط؟).
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن أخطر ما في مصطلح “حقيقة الوجود” ليس غموضه، بل الوهم بأننا نمتلكه. فكل تعريف نهائي يدّعي الإحاطة، إنما يغلق الباب أمام السؤال، ويحوّل التمثّل إلى عقيدة. وفي هذا السياق، لا يكون التقدم المعرفي في إضافة تعريف جديد، بل في تفكيك الادعاءات القائمة، والاعتراف بأن ما نملكه ليس الحقيقة، بل تمثّلات عنها، قد تقترب وقد تبتعد، لكنها لا تتطابق. وهنا، يمكن أن يتحول السؤال عن “حقيقة الوجود” من صراع على التعريف إلى تمرين دائم على التواضع المعرفي.

أضف تعليق