
تنبع الاعتراضات التي وُجِّهت إلى “المقاربة الميتابايولوجية للقرآن” من افتراض ضمني لم يُفحص بما يكفي، وهو أن تعددية موضوعات القرآن تنفي إمكان ردّها إلى محور تفسيري واحد. إذ يرى المعترضون أن ثراء النص القرآني، وتنوع قصصه، وتعدد محاوره العقدية والتشريعية والتاريخية، يجعل من غير المعقول اختزاله في “قصة الإنسان”، أو بالأحرى في التحول النوعي الذي أصاب هذا الكائن منذ “لحظة آدم”. غير أن هذا الاعتراض، على وجاهته الظاهرية، يقوم على خلط منهجي بين “تعدد الموضوعات” و”وحدة البؤرة التفسيرية”. فالقرآن، بوصفه نصًا إلهياً موجّهًا للإنسان، لا يُفهم من خلال عدد الموضوعات التي يتناولها، بل من خلال السؤال: ما الذي يجعل هذه الموضوعات ذات صلة أصلًا؟ وما الذي يمنحها وحدة ضمن هذا التنوع الظاهري؟
إن القول بأن القرآن يحتوي على قصص الأنبياء والتشريعات والكونيات والغيبيات، لا ينفي أن هذه كلها قد تكون تمثلات متعددة لمشكلة واحدة مركزية. فالتاريخ، في أحد أبعاده، ليس إلا ساحة لتجليات الفعل الإنساني. والتشريع ليس إلا محاولة لضبط هذا الفعل. والقصص ليست إلا إعادة عرض لنماذج من هذا الانحراف أو تلك الاستقامة. أما الغيب، فهو الأفق الذي يُعاد فيه تأطير معنى هذا الفعل ومآله. وبعبارة أدق: إن هذه الموضوعات ليست بدائل عن “قصة الإنسان”، بل هي أبعادها.
فإذا كان الاعتراض من فهم قصة آدم بوصفها حدثًا من بين أحداث كثيرة. فإن المقاربة الميتابايولوجية لا تتعامل مع آدم بهذه الصيغة السردية المحدودة، بل بوصفه تمثلًا لبنية تحول جذري في نمط وجود الإنسان. فـ “أكل آدم من الشجرة”، ضمن هذا الإطار، لا يُقرأ كواقعة أخلاقية فحسب، بل كإشارة رمزية إلى انتقال الكائن البشري من اقتصاد الطبيعة (حيث الفعل مباشر ووظيفي) إلى اقتصاد التمثّل (حيث الفعل مشروط بالمعنى والتأويل والقلق والتوقع). ومن هنا، فإن كل ما يرد في القرآن، من صراعات وتردد ونفاق وإيمان وكفر وانتظار وعنف وطقوس… ، ليس إلا امتدادات لهذا التحول الأولي وتجليات له.
وإذا كان الاعتراض يرى أن القرآن يمكن أن يكون قد نزل لأسباب متعددة لا تقتصر على “قصة الإنسان”، فإن هذا يطرح سؤالًا أكثر جوهرية: من هو المخاطَب بالقرآن إذاً؟ فالقرآن لا يخاطِب الجبال ولا الحيوانات ولا النجوم ولا الكواكب، بل يخاطب الإنسان تحديدًا. وهذا ليس معطىً لغويًا بسيطًا، بل مؤشر على أن الإنسان ليس مجرد متلقٍّ، بل هو موضوع الخطاب ذاته. فالقرآن لا يصف العالم لذاته، بل يصفه بقدر ما يتقاطع مع تجربة الإنسان فيه. ولا يسرد التاريخ لذاته، بل بوصفه حقل اختبار للإنسان. ولا يتحدث عن الآخرة بوصفها عالمًا منفصلًا، بل كمآل لهذا الكائن تحديدًا.
وبالتالي، فإن أي محاولة لفهم القرآن بمعزل عن محاولة فهم الإنسان، هي في جوهرها قراءة مبتورة.
إن الاعتراض القائل بوجود “محاور أخرى” لا يناقض المقاربة الميتابايولوجية، بل يؤكدها من حيث لا يدري، وذلك لأن وجود هذه المحاور لا يعني أنها مستقلة، بل قد تكون جميعها متفرعة عن مركز واحد. وهنا يمكن استعارة نموذج تحليلي بسيط مفاده ليست المسألة أن القرآن “يتحدث عن أشياء كثيرة”، بل أنه “يتحدث عن الإنسان من خلال أشياء كثيرة”. فالكون يصبح مرآة، والتاريخ يصبح تجربة والتشريع يصبح أداة والآخرة تصبح نتيجة… وكلها تدور حول كائن واحد فقدَ بساطته الأولى، ودخل في شبكة معقدة من التمثّلات.
إن ما تدعو إليه هذه المقاربة ليس اختزال القرآن، بل إعادة قراءته على ضوء سؤال تم تجاهله طويلًا: ماذا حدث لهذا الكائن حتى أصبح في حاجة إلى هذا الكم الهائل من التوجيه والتصحيح والتحذير والسرد والتشريع؟
فإذا كان الحيوان لا يحتاج كتاباً إلهياً، وإذا كانت بقية الكائنات تسير ضمن انتظامها الطبيعي، فإن وجود كتاب أمتد على مدى 23 عامًا من التنزل، يعالج أدق تفاصيل السلوك الإنساني، لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل بنيوي أو تحوّل جذري في هذا الكائن. وهنا تحديدًا تبرز المقاربة الميتابايولوجية بوصفها محاولة لفهم هذا “الاستثناء”.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن ردّ القرآن إلى قصة الإنسان، بالمعنى الميتابايولوجي لا يُعد تقليلًا من شأنه، بل على العكس؛ إذ أنه اعتراف ضمني بأن هذا النص يتعامل مع أعقد ظاهرة في الوجود ممثلةً بالإنسان. فالاعتراض الحقيقي لا ينبغي أن يكون “هل الانسان سببٌ كافي لتنزل القرآن؟” بل “ما الذي حدث للإنسان حتى أصبح سببًا كافيًا لنزول القرآن؟”، وهذا هو السؤال الذي تحاول هذه المقاربة أن تجعله في مركز القراءة، بدل أن يبقى في هامشها.
