القرآن الكريم والإنسان… مقاربة في وحدة الموضوع وجوهر الاستخلاف

لقد أثارت “المقاربة الميتابايولوجية للقرآن العظيم” تساؤلات مشروعة لدى البعض حول حصر غايات الوحي في قصة الإنسان وتطوره الوجودي، وهي اعتراضات منبعها الغيرة على شمولية النص الإلهي. ومع ذلك، فإن المقاربة الميتابايولوجية لا تسعى لاختزال القرآن، بل لضبط بوصلة فهمنا له ضمن نسق “مركزية الإنسان” في الخطاب الإلهي عِبر العصور.
إن القول بأن القرآن نزل ليعالج قضايا أخرى بجانب قصة الإنسان هو قول يبدو ظاهرياً مكتملاً، لكنه يغفل حقيقة أن كل “قضية” ذكرها القرآن (سواء كانت تشريعاً أو غيباً أو قصصاً للأنبياء أو وصفاً للكون) لا تكتسب قيمتها القرآنية إلا من خلال علاقتها بوعي هذا الكائن المستخلَف. فالتشريع وُضع لضبط السلوك البشري، والكونيات ذُكرت لتعريف الإنسان بموقعه وبخالقه، وقصص الأنبياء هي تمثلات حركية للتجربة البشرية التي يخوضها الإنسان في صراعه مع نفسه.
إن الاعتراض بأن قصة آدم، ببعدها الميتابايولوجي، لا تكفي لتفسير نزول الوحي على مدار 23 عاماً، يُرد عليه بأن “قصة آدم” ليست مجرد واقعة تاريخية عابرة، بل هي “القانون الكلي” الذي يحكم الوجود البشري. إن ما حدث للإنسان من طفرة في الوعي، وما تلا ذلك من تمايز بايولوجي ومعرفي مذهل (جعل منه الكائن الوحيد القادر على حمل الأمانة)، هو الحدث الأعظم في تاريخ الطبيعة. فهذا الحدث “الاستثنائي” تطلب تفصيلاً إلهياً مسهباً (القرآن) ليرسم خارطة الطريق لهذا الكائن الذي خرج عن نمطية البايولوجيا المُسيَّرة إلى فضاء المسؤولية الفردية.
فحين نقول إن القرآن أحصى كل ما يتصل بالإنسان منذ تخلقه وحتى مآله، فنحن لا نلغي “المحاور الأخرى” (كالتوحيد والعدل واليوم الآخر)، بل نقول إن هذه المحاور هي المقومات التي يحتاجها “الإنسان الميتابايولوجي” ليستكمل مسيرته. فالتوحيد هو العلاج المعرفي لتشتت الوعي البشري. والبعث والخلود هو الإجابة الحتمية على أشواق هذا الكائن الذي يدرك فناء جسده المادي ويطمح لبقاء جوهره الروحي.
إن نزول القرآن “مُنجَّماً” لم يكن لمجرد مواكبة الأحداث، بل كان عملية “إعادة بناء” تدريجية للإنسان. فالمقاربة الميتابايولوجية ترى في الوحي عملية “صيانة وتقويم” لهذا الكائن المعقد. فكما أن تشكل الإنسان البايولوجي استغرق دهوراً، فإن تشكله القيمي والروحي تطلب مساراً زمنياً يفكك موروثات الجاهلية ويبني مكانها وعياً يليق بمقام من خلقه الله تعالى ليكون في احسن تقويم.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن المقاربة الميتابايولوجية لا تحصر القرآن في “بايولوجيا الجسد”، بل في “ميتافيزيقا الوجود الإنساني”. فنحن لا نقرأ القرآن لنعرف كيف نأكل ونشرب، بل لنفهم كيف أصبحنا “بشراً” مسؤولين، ولماذا اختارنا الله من بين جميع الخلائق لنكون نحن مخاطَبيه الذين يبلغهم كيف السبيل إليه.

أضف تعليق