
يكشف لنا تدبُّرُ قَولِ اللهِ تعالى (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) (من 17 الأنفال)، عن نمطَي تدخُّلِ اللهِ في أحداثِ الوجود، أحدهما تدخل غير مباشر، وذلك عِبرَ الأسباب التي سبق وأن خلقَها، يومَ خلقَ السمواتِ والأرض، وكفَّلها تدبيرَ أمورِه تسييرَ شؤونِه. وهذه الأسباب هي أقصى ما بوسعِ العِلم أن يحيطَ به من الكيفيةِ التي تحدث وفقاً لها تلك الطائفةُ من أحداثِ الوجود التي ما كان لها أن ترى النور لولا أنَّ اللهَ تكفَّلَ بتوفيرِها. وهذا هو المعنى الكامن من وراءِ قَولِه تعالى (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ). فهذه الأسباب لا تقتل، على سبيل المثال، من تلقاءِ نفسِها؛ فاللهُ هو مَن سبَّب لهذا القتل وخلق من الأسبابِ ما يتكفل بتحقيق ذلك بإذنِه.
أما النط الثاني لتدخل الله تعالى في أحداثِ الوجود، فهو تدخُّلُه المباشر بقولِه للشيءِ إذا أراده “كن فيكون”. وهذا هو المعنى الكامن في قولِ اللهِ تعالى “وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى”. فرسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم رمى رمحَه من مسافةٍ كان يُفترَض بها، وفقاً لديناميكا المقذوفات، ألا يصلَ ما كان يستهدفه، غيرَ أنَّ اللهَ تعالى تدخَّلَ تدخلاً مباشراً، وبكيفيةٍ لا قدرةَ لما قُيِّضَ لنا أن نحيطَ به من عِلم، فجعل الرمحَ يقطع مسافةً أبعدَ بكثير من تلك التي تقضي بها هذه الديناميكا. ولقد كفلت لطافةُ التدخلِ الإلهي المباشر ألا يكونَ بمقدورِ الرائي من البشر أن يتبيَّنَ تعارضاً بين قوة ساعِد رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم، والتي انطلق بها رمحُه بادئَ الأمر، وبين القوةِ المكتسَبة التي أُضيفت بتدخُّلِ اللهِ المباشرِ هذا. فالرائي من البشر لم يرَ إلا الرمحَ المحمدي وهو يقطعُ مسافةً يتعذَّر على قوةِ ساعدِ الإنسان أن تجعلَه يقطعها.
