التعميم بوصفه كسلًا معرفيًا… حين يتنكر التحيّز في هيئة علم

ثمة نزعة لا يبدو أنها تفارق الإنسان مهما تقدّمت أدواته المعرفية، نزعة تُعيد إنتاج نفسها بأشكال أكثر تعقيدًا وخطورة، وهي النزوع إلى التعميم غير المؤسس، ذلك الاختزال المريح الذي يختصر العالم في علاقة سببية زائفة، ويمنح صاحبه وهم الفهم دون أن يكلّفه عناء التفكير.
ومن أبرز تجليات هذه النزعة ما شاع في بعض الأوساط العلمية والإعلامية من الادعاء بوجود علاقة عكسية بين الذكاء والتديّن؛ أي أن ارتفاع أحدهما يستلزم انخفاض الآخر. وهي دعوى، على ما تبدو عليه من جاذبية إحصائية سطحية، لا تعدو كونها مثالًا نموذجيًا على الانزلاق من الملاحظة الجزئية إلى الحكم الكلي، ومن الترابط الظاهري إلى السببية المتوهمة.
إن الخلل الجوهري في هذا الطرح لا يكمن فقط في نتائجه، بل في بنيته المنهجية ذاتها. فهو يقوم على خلط فادح بين متغيرات متعددة لا يجوز فصلها عن سياقاتها، فالذكاء، بوصفه مفهومًا إشكاليًا متعدد الأبعاد. والتديّن، بوصفه ظاهرة مركبة تتداخل فيها الثقافة والتاريخ والهوية والانتماء والسلطة والقلق الوجودي. إن اختزال هذه الشبكة المعقدة إلى علاقة خطية بسيطة لا يكشف عن عمق علمي، بل عن فقر تحليلي. فهل يمكن الحديث عن “تديّن” بمعزل عن بيئة التنشئة؟ عن نظم التعليم؟ عن البنى الاقتصادية؟ عن موقع الفرد داخل شبكات السلطة والمعنى؟ وهل يمكن قياس “الذكاء” بمعزل عن أدواته الثقافية والانحيازات الكامنة في اختبارات قياسه؟ إن تجاهل هذه الأسئلة ليس حيادًا علميًا، بل إقصاء انتقائي لما لا يخدم النتيجة المسبقة.
الأخطر من ذلك أن هذا التعميم لا يكتفي بتوصيف ظاهرة، بل ينزلق ضمنيًا إلى تراتبية قيمية تُضفي على “الإحجام عن التدين” مسحة من التفوق العقلي، وعلى “التديّن” شبهة القصور الذهني. وهنا يتحول الخطاب من تحليل إلى إيديولوجيا، ومن علم إلى أداة تمييز رمزي.
غير أن هذا التعميم، لو أُخذ على محمل الجد، لكان من اللازم توسيع نطاقه ليشمل كل أشكال الانتماء البشري، لا الدين وحده. فالجماهير التي تصطف خلف زعيم سياسي، أو التي تنخرط بحماسة في تشجيع فريق رياضي، أو التي تذوب في متابعة نجم سينمائي، لا تفعل ذلك بناءً على تحليل عقلاني صارم، بل استجابة لمنظومات رمزية وعاطفية لا تقل تعقيدًا عن المنظومة الدينية. فإذا كان انخفاض مستوى الذكاء، وفق هذا المنطق، شرطًا كافيًا للانخراط في التديّن، فهو شرط كافٍ بالقدر نفسه للانخراط في أي شكل من أشكال “التبعية الرمزية”.
إن المشكلة، إذًا، ليست في الدين ولا في غيره، بل في البنية الإدراكية التي تحكم علاقة الإنسان بالعالم بعد أن خرج، منذ زمن بعيد، على اقتصاد الطبيعة البسيط ليدخل في اقتصاد التمثّل؛ حيث لا يتعامل مع الواقع كما هو، بل كما يُعاد بناؤه داخل ذهنه عبر طبقات من المعنى والتأويل والانتماء.
ومن هنا، فإن التديّن لا يمكن فهمه بوصفه نقيضًا للذكاء، بل بوصفه أحد تمظهرات هذا “الفائض التمثّلي” الذي يميز الإنسان. وهو، بهذا المعنى، ليس استثناءً، بل قاعدة ضمن شبكة أوسع من السلوكيات التي يتجاوز فيها الإنسان حدود العقل الأداتي الصارم.
ثم إن تاريخ المعرفة البشرية ذاته يقوّض هذا التعميم من أساسه. فعدد غير قليل من أعظم العقول في تاريخ البشرية كانوا على قدر عالٍ من التديّن، بل إن بعضهم تبنّى أنماطًا من الإيمان تتجاوز في ظاهرها، ما يقوم عليه المنهج العلمي الصارم. وهذا لا يُفهم بوصفه تناقضًا، بل بوصفه دليلاً إضافيًا على أن العقل البشري لا يعمل وفق منطق أحادي، بل ضمن أنظمة متعددة قد تتعايش أو تتصارع أو تتكامل.
إن الإصرار على اختزال هذه الظواهر في علاقة حسابية بين متغيرين هو، في جوهره، تعبير عن عجز عن تحمّل التعقيد، وعن رغبة دفينة في إعادة العالم إلى بساطة لم يعد يمتلكها.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس “هل المتدين أقل ذكاء؟” بل “لماذا لا يزال الإنسان مهما بلغ من الذكاء، عاجزًا عن مقاومة إغراء التعميم؟”.

أضف تعليق