الإنسان والبحث المستحيل عن الأمان… قراءة ميتابايولوجية في قلق الكائن الخارج على الطبيعة

ليس خروج الإنسان على نظام الطبيعة حدثًا عابرًا في تاريخه التطوري، بل هو لحظة انكسار عميقة أعادت تشكيل علاقته بالوجود على نحو جذري. فمنذ تلك اللحظة التي يمكن تأويلها، ضمن المقاربة الميتابايولوجية، بوصفها “التحويلة التطورية الأولى”، لم يعد الإنسان كائنًا مندمجًا في اقتصاد الطبيعة، بل أصبح كائنًا معلقًا بين ما هو كائن وما ينبغي أن يكون. وهذه المسافة الفاصلة بين الإدراك والواقع، بين التمثّل والمعطى، هي التي فتحت الباب أمام أحد أكثر تجليات المعاناة الإنسانية عمقًا واستمرارًا المتمثلة بفقدان الأمان.
ففي اقتصاد الطبيعة، لا يُطرح الأمان بوصفه سؤالًا. فالحيوان، وإن كان يعيش في بيئة محفوفة بالمخاطر، لا يعاني من “فكرة الخطر” بوصفها عبئًا ذهنيًا دائمًا؛ فهو يواجه التهديد حين يحضر، وينسحب حين يغيب، إذ أنه لا يحمل ذاكرة قلق ممتد، ولا يبني تصورات مستقبلية كارثية. فالحيوان يعمل ضمن معادلة بسيطة تتمثل في استجابة مباشرة لواقع حاضر ماثل للعيان. ولهذا، فإن ما يبدو لنا “حياة خطرة” في عالم الحيوان، هو في حقيقته حياة خالية من القلق الوجودي. أما الإنسان، وبعد أن انفتح وعيه على “فائض التمثّل”، فإنه قد فَقَدَ هذه البساطة الوجودية إلى الأبد. فلم يعد الخطر حدثًا طارئًا، بل أصبح حالة دائمة. ولم يعد الأمان معطىً يُعاش، بل صار هدفًا يُلاحق. وهنا تبدأ مأساة الإنسان، وذلك لأن ما يسعى إلى استعادته ليس مجرد حالة بايولوجية، بل توازن وجودي كان مشروطًا بغياب ذلك الوعي الفائض الذي بات يشكّل جوهر إنسانيته.
إن افتقار الإنسان إلى الأمان لا يعود في جوهره إلى طبيعة العالم الخارجي، بل إلى البنية الداخلية لعقله التمثّلي. فهو لا يواجه الواقع كما هو، بل كما يُعاد تشكيله داخل منظومته الإدراكية. ومن هنا، فإن مصادر التهديد لا تنحصر في ما هو قائم، بل تمتد إلى ما يمكن أن يكون، بل وحتى إلى ما لا يمكن أن يكون أصلًا. وهكذا، يتحول الإنسان إلى كائن يعيش تحت وطأة احتمالات لا نهائية من الخطر، لا يملك وسيلة للتحقق منها، ولا القدرة على التخلص منها.
وفي مواجهة هذا العجز البنيوي، لم يجد الإنسان مناصًا من أن يخترع لنفسه بدائل وهمية للأمان. فأنشأ أنظمة رمزية معقدة وبنى كيانات ذهنية ومادية وأسقط على العالم الخارجي تصورات يظن أنها قادرة على حمايته من القلق الذي يسكنه. غير أن هذه الكيانات على اختلاف أشكالها، لا تفعل في نهاية المطاف سوى إعادة إنتاج القلق ذاته، لأنها تتعامل مع أعراض المشكلة وليس مع جذورها.
فالإنسان لا يبحث عن الأمان لأنه مهدد فقط، بل لأنه أصبح قادرًا على تخيّل التهديد. وهذه القدرة، التي تُعد من أعظم منجزاته الإدراكية، هي في الوقت ذاته مصدر شقائه. إذ لا يمكن لكائن يرى ما وراء الحاضر ويستشرف ما لم يقع ويؤوِّل ما لا يُقال، أن يعيش طمأنينة، كتلك التي يعيشها الحيوان الذي لا يعرف إلا ما هو كائن.
ومن هنا، فإن المفارقة الكبرى تكمن في أن الإنسان في سعيه المحموم نحو الأمان يبتعد عنه أكثر. وذلك لأنه يبحث عنه في الخارج، بينما يكمن فقدانه في الداخل. ويطارد حالة لا يمكن استعادتها، وذلك لأنها كانت مشروطة بغياب ما أصبح هو ذاته قائمًا عليه.
إن الحيوان، وهو يطارد فريسته أو يفرّ من مفترسه، لا يسأل عن عدالة العالم، ولا يشكك في نظامه، ولا يُحمِّل الآخرين مسؤولية ما يحدث له. أما الإنسان، فقد حوّل معاناته إلى سردية، وسرديته إلى اتهام، واتهامه إلى نظام معقد من التبريرات والاحتجاجات. فهو لا يكتفي بالألم، بل يعيد إنتاجه عبر تفسيره، ويضاعفه عبر تمثّله. وفي ضوء ذلك، لا يمكن فهم افتقار الإنسان إلى الأمان بوصفه خللًا طارئًا، بل بوصفه نتيجة حتمية لخروجه على نظام الطبيعة. إنه الثمن الذي يدفعه مقابل وعيه، والضريبة التي يدفعها مقابل فائض تمثّله. فليس السؤال إذاً كيف يستعيد الإنسان الأمان، بل كيف يمكنه أن يتعايش مع فقدانه دون أن يغرق في أوهام تعويضية تزيد من اغترابه. إن الأمان، في معناه الحيواني قد فُقد إلى غير رجعة. أما ما يمكن للإنسان أن يسعى إليه فهو شكل آخر من الاتزان، لا يقوم على إنكار القلق، بل على فهمه. ولا على الهروب من التهديد، بل على إدراك طبيعته التمثّلية. وبهذا المعنى، فإن الخلاص لا يكمن في العودة إلى الطبيعة، بل في إعادة فهم موقعنا خارجها.

أضف تعليق