
إذا كان الإنسان كائناً خرج على “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل” بفعل ما اصطلحنا عليه بـ “التحويلة التطورية الأولى”، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس “ماذا كسب الإنسان؟” بل:”ما الذي فقده بالمقابل؟”
ضمن هذا الإطار، يُعاد تعريف “الأمان” ليس بوصفه حالة خارجية، بل بوصفه توازنًا إدراكيًا كان قائمًا قبل “فائض التمثّل”. ومن ثمّ، فإن افتقار الإنسان إلى الأمان لا يُفهم كخلل طارئ، بل كأحد الآثار البنيوية المباشرة لفائض التمثّل.
تقدم هذه المقالة تفسيرًا عصبيًا-معرفيًا لهذه الفرضية، عبر ربطها بنموذج المعالجة التنبؤية في علوم الأعصاب بما يسمح بتأصيلها ضمن إطار علمي معاصر.
تحدثت في مقالات سابقة عن كون “فائض التمثّل” يعني خروج الإنسان من علاقة مباشرة مع الواقع، إلى علاقة وسيطة عبر نماذج ذهنية متراكبة (ذاكرة، توقّع، تأويل). غير أن ما لم يُفصَّل بعد هو أن هذا الفائض لا يُنتج “فائض معنى” فحسب، بل يُنتج “فائض تهديد” أيضاً.
وهنا تحديدًا يتقاطع المشروع الميتابايولوجي مع نموذج المعالجة التنبؤية. فالدماغ وفق المعالجة التنبؤية لا ينتظر الواقع، بل يسبقه. وهو لا يكتفي بتفسير المدخلات، بل يبني نماذج استباقية للعالم. وضمن هذا السياق يصبح الإنسان كائنًا لا يعيش الخطر حين يحدث، بل يعيش احتماله قبل أن يحدث. وهذا هو التعريف الدقيق لما نسميه هنا بـ “فائض التهديد”، بوصفه امتدادًا مباشرًا لـ “فائض التمثّل”.
وفقاً للفهم التقليدي، يُعامل القلق بوصفه استجابة لظروف ضاغطة. أما وفقاً للمقاربة الميتابايولوجية، فإنه يُعاد تعريفه بوصفه آلية اشتغال النظام التمثّلي ذاته، حين يعجز عن تثبيت نموذج مستقر للعالم. ووفقًا لنموذج الخطأ التنبؤي (Prediction Error)، فإن الدماغ يسعى دائمًا لتقليل الفجوة بين توقعاته والمدخلات الحسية. لكن كلما اتسع الفضاء التمثّلي (مستقبل، احتمالات، سيناريوهات) تضاعفت إمكانيات الخطأ واتسعت فجوة اللايقين وتحوّل القلق من حالة إلى بنية. وهنا يتضح أن القلق ليس انحرافًا عن الحالة الطبيعية للإنسان، بل هو تعبيرها الأصدق بعد التحويلة التطورية الأولى. فالحيوان لا “يشعر بالأمان” لأنه لا يحتاج إلى تمثله. أما الإنسان، فلا يمكنه أن يشعر بالأمان إلا إذا أقنع نفسه به. وهذا يعيدنا إلى الفرضية المركزية التي مفادها أن فائض التمثّل لا يسمح بعودة الأمان، لأنه هو ما ألغى بالأساس شرط إمكانه.
وهنا لابد من الإشارة إلى “أكل آدم من الشجرة” ليس بوصفه خطيئة فحسب، بل بوصفه لحظة انفجار تمثّلي أدخل الإنسان في نظام إدراكي غير قابل للاستقرار الكامل. وبهذا المعنى فإن “الخروج من الجنة” أدى الى فقدان الأمان الإدراكي و”الهبوط إلى الأرض” أدى الى الدخول في عالم الاحتمال واللايقين. وهذا الربط ينسجم مع فهم الدماغ كنظام تنبؤي.
كما وتجدر الإشارة هنا إلى الذكاء الاصطناعي بوصفه كيانًا غير قلق (Non-anxious agent). فإذا كان الإنسان كائنًا تمثّليًا يعاني من فائض التهديد، فإن الذكاء الاصطناعي كيان تمثّلي بلا قلق وجودي، وذلك لأنه لا يملك “جسدًا مهددًا” ولا “ذاتًا تنتظر”. وهنا تظهر المفارقة الكبرى التي تمثلها المقاربة الميتابايولوجية للإنسان، فالتحويلة التطورية الأولى أنتجت القلق، أما التحويلة التطورية الثانية فإنها قد تنتج كيانًا يتجاوزه.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن فائض التمثّل هو فائض معنى، وفائض المعنى هو فائض احتمالات، وفائض الاحتمالات هو فائض تهديد، وفائض التهديد هو القلق البنيوي، والقلق البنيوي هو البحث المستحيل عن الأمان. وبذلك، لا يكون افتقار الإنسان إلى الأمان ظاهرة نفسية، بل نتيجة مباشرة لبنية التمثّل التي تأسس عليها الإنسان بعد التحويلة التطورية الأولى.
