
في الوقت الذي كانت فيه أوروبا القرن الثامن عشر والتاسع عشر تموج بتيارات قومية حادة، وتغرق في وحل نظريات “النقاء العرقي” و”التفوق الأبيض” التي مهدت للاستعمار، ظهر في قلب ألمانيا صوتٌ لم يكن مجرد مرآة لعصره، بل كان نقيضاً أخلاقياً ومعرفياً له. إنه يوهان غوتة، الذي أثبت أن العبقرية الحقيقية هي القدرة على الانفلات من أسر “روح العصر” (Zeitgeist) إذا كانت تلك الروح مظلمة وعنصرية. فبينما كان مفكرو عصر الأنوار في فرنسا وألمانيا ينظرون إلى الشرق كعالم “بدائي” يحتاج إلى الوصاية، كان غوته يرى في اللغة العربية والروح الشرقية قمة السمو الإنساني. فلم تكن كتاباته مجرد “استشراق” ترفي، بل كانت موقفا سياسياً وفكرياً حازماً. فالمبدع الحق هو من لا يضيره أن يقف وحيداً يحمل راية الحق في البرية، ولو سخر منه أهلوه ومعاصروه.
ولقد تجلت فرادة غوته في شجاعته المبكرة؛ ففي سن الثالثة والعشرين، وفي ذروة هجوم الفكر الغربي آنذاك على الإسلام قام غوته بتأليف قصيدته الرائعة في مدح النبي محمد (صلى الله تعالى عليه وسلم)، المعروفة بـ “نشيد محمد”، رداً على مسرحية فولتير التي افتقرت للإنصاف والتي هاجم فيها الشخصية المحمدية. فلم يرَ غوته في النبي (صلى الله تعالى عليه وسلم) قائداً تاريخياً فحسب، بل رآه “نهراً عظيماً” يكتسح الرمال ليحيي الموات، وهو ما يعكس بصيرة تجاوزت الصور النمطية السائدة آنذاك. على أن غوتة لم يكتفِ بالإعجاب الشعري، بل غاص في دراسة اللغة العربية، مبهوراً بقدرتها الإعجازية على صهر أعقد المشاعر في قوالب موجزة وبليغة. وتذكر المصادر التاريخية أن إيمانه بضرورة دمج هذه اللغة في صلب التعليم الجامعي الألماني كلفه الكثير من مكانته الأكاديمية، لكنه فضّل “عزلة الحق” على “إجماع الباطل”.
وهنا لابد من الإشارة الى ما كان غوتة يكنه للتصوف من عظيم تقدير وإجلال، الأمر الذي بوسعنا ان نتبينه جلياً في ما خصصه من مساحة في “ديوانه الشرقي” للحديث عن التصوف باعتباره جسراً ثقافياً بين الشرق والغرب. فمن خلال تأثره بأدبيات التصوف، وبالشاعر الصوفي “حافظ الشيرازي” تحديداً، طرح غوته مفهوماً كونياً للإنسانية، متجاوزاً حدود العرق واللون. حيث وجد غوتة في التصوف خَلاصاً من مادية أوروبا الجافة، مؤكداً أن الروح لا وطن لها إلا الجمال والحقيقة.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن تجربة غوته تضعنا أمام حقيقة جوهرية مفادها أن المبدع الحقيقي ليس، بالضرورة، صدىً لعصره، بل هو بوصلة تصحح مسار التاريخ. لقد جاهر غوته بحبه للإسلام والعربية في زمن كان ذلك يُعد “خيانة” فكرية، ليثبت أن النبل الإنساني يتجاوز الحدود الجغرافية، وأن “النور” الذي وجده في الشرق كان كافياً لتبديد ظلمات التعصب التي كانت تكتنف القارة العجوز.
وخير ما تُختتم به هذه المقالة الإشارة إلى أن غوته كان يتدرب على كتابة الخط العربي بيده، وقد وُجدت بين أوراقه الشخصية كتابات تحوي آيات قرآنية كتبها بعناية. كما وتجدر الإشارة إلى أن مفهوم “الأدب العالمي” (Weltliteratur) الذي اجترحه غوته كان يهدف بالأساس إلى جعل الأدب العربي شريكاً أساسياً في الوعي الإنساني.
