
ليس البخل، في جوهره، سلوكًا طارئًا يمكن تفسيره بردّه إلى شروط اقتصادية أو ضغوط بيئية أو حتى اضطرابات نفسية عابرة، بل هو ظاهرة بنيوية ضاربة في عمق الكينونة الإنسانية، تكاد تلازمها ملازمةً تتجاوز حدود التفسير البايولوجي التقليدي. فمنذ أقدم الشواهد الأنثروبولوجية إلى أكثر المجتمعات تمدناً، يطلّ البخل بوصفه سلوكًا عالميًا، لا يميّز بين ثقافة وأخرى، ولا بين طبقة وأخرى، ولا حتى بين من يملك ومن لا يملك.
وإذا كان من المسلَّم به ضمن أطر علم الأحياء التطوري أن السلوك الإنساني يتشكّل، في جوهره، استجابةً لمتطلبات البقاء والتناسل، فإن البخل في كثير من تجلياته يبدو وكأنه يخرج على هذا المنطق خروجًا صارخًا. وذلك لأن الاكتناز المفرط والامتناع غير المبرر عن الإنفاق، لا يخدم دائمًا مصلحة البقاء، بل قد يتعارض معها أحيانًا حين يتحول إلى نمط يعطّل شبكات التعاون ويقوّض فرص التبادل ويُضعف الروابط الاجتماعية التي تُعدّ، في المنظور التطوري، أحد أعمدة النجاة الجماعية. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى مقاربة تتجاوز النموذج التفسيري الذي يردّ كل سلوك إلى منفعته التطورية المباشرة، نحو أفق أوسع يمكن أن نسميه ضمن الإطار الميتابايولوجي بـ “اقتصاد التمثّل”. ففي هذا الاقتصاد، لا يعود الإنسان كائنًا يتفاعل مع الواقع كما هو، بل كائنًا يتعامل مع تمثّلاته عن الواقع؛ مع ما يتخيله قيمة وما يتوهم أنه نقص وما يخشاه بوصفه تهديدًا مستقبليًا.
وضمن هذا التحول، لا يعود البخل مجرد “سوء تقدير” لموارد محدودة، بل يصبح تعبيرًا عن فائض تمثّلي يجعل الإنسان يرى في كل ما يملك امتدادًا لهويته وركيزةً لوجوده وضمانةً ضد قلقه الوجودي. وهنا تحديدًا، ينفصل البخل عن وظيفته الاقتصادية المفترضة، ليتحوّل إلى سلوك دفاعي ضد قلق لا يمكن إشباعه، لأن موضوعه ليس الحاجة، بل التمثّل.
ولذلك، فإن البخل لا يقتصر على المال، بل يمتد ليشمل كل ما يُمكن أن يُحمّل قيمة تمثّلية، كالعاطفة والاهتمام والوقت والاعتراف، بل وحتى المعرفة. فكما يبخل الإنسان بماله، يبخل بمشاعره وبكلماته وبحضوره، وكأن كل عطاء هو اقتطاع من كينونته، لا مشاركة فيها. وهذا الاتساع في دوائر البخل يكشف أنه ليس سلوكًا وظيفيًا محدودًا، بل بنية إدراكية عامة تحكم علاقة الإنسان بما يملك وبما يمكن أن يمنحه. والأكثر دلالة أن هذا السلوك، على الرغم من وعي الإنسان بآثاره السلبية، وعلى الرغم من محاولاته الأخلاقية والدينية للتخلّص منه، يظلّ عصيًّا على الاقتلاع. فكم من إنسان أدرك قبح البخل، وسعى إلى التحرر منه، ليجد نفسه يعود إليه في لحظات لا واعية، وكأنما البخل يجري مجرى الدم في عروق النفس، ليس بوصفه خيارًا، بل بوصفه قدرًا إدراكيًا.
وهنا تتبدّى مفارقة كبرى؛ فالبخل، بهذا المعنى ليس مجرد ظلم للآخر، بل هو قبل ذلك ظلم لنفس الانسان ذاته. إذ يحرمها من أحد أهم مصادر التوازن النفسي والاجتماعي، وهو العطاء. فالعطاء، وفقاً لاقتصاد الطبيعة ليس خسارة، بل هو جزء من ديناميكية تبادل تحفظ تماسك النوع. أما وفقاً لاقتصاد التمثّل، فقد انقلبت هذه المعادلة، ليُعاد تعريف العطاء بوصفه “فقدًا”، والاكتناز بوصفه “أمانًا”. غير أن هذا “الأمان” ليس إلا “وهمًا تمثّليًا”، لأن ما يُختزن لا يُلغي القلق، بل قد يزيده عبر تغذية وهم النقص الدائم. وهكذا يدخل الإنسان في حلقة مفرغة؛ فالإنسان يكتنز لأنه خائف، ويزداد خوفه لأنه يكتنز.
ومن هذا المنظور، يمكن القول إن البخل يمثل تجليًا آخر من تجليات خروج الإنسان على قوانين الطبيعة. ففي عالم الكائنات الأخرى، لا نجد هذا الحرص على الاكتناز لذاته، ولا هذا التعلق المرضي بالحيازة، لأن تلك الكائنات لا تعيش داخل تمثّلاتها، بل داخل واقعها المباشر. أما الإنسان، أما وقد انفصل عن هذا الواقع بفعل “التحويلة التطورية الأولى”، فقد أصبح أسيرًا لما يتخيله، لا لما يحتاجه. ولذلك، فإن كل محاولة لردّ البخل إلى أسباب نفسية أو اجتماعية أو اقتصادية تظلّ قاصرة، لأنها تتعامل مع الأعراض لا مع البنية العميقة التي تولّدها. فالبخل، في جوهره ليس مشكلة في الموارد، بل هو مشكلة في الإدراك، كما أنه ليس خللًا في الامتلاك، بل هو خللٌ في معنى الامتلاك ذاته.
وعليه، فإن التحرر من البخل لا يمكن أن يتحقق عبر دعوات أخلاقية مجردة، ولا عبر تحسين الظروف المعيشية، بل يقتضي إعادة النظر في البنية التمثّلية التي تجعل الإنسان يرى ذاته في ما يملك، لا في ما يكون. فبقدر ما يستعيد الإنسان علاقته المباشرة بالعالم ويتحرر من فائض التمثّل، بقدر ما يصبح العطاء ممكنًا، لا بوصفه تضحية، بل بوصفه عودة إلى منطق الطبيعة الذي فقده. وهنا يكمن التحدي الأعمق؛ فالمسألة هي ليست أن يصبح الإنسان كريمًا، ولكن أن يتوقف عن كونه كائنًا يخاف أن يعطي.
