الفكرة بوصفها إعادة ترتيب للعالم

ليست المشكلة الحقيقية في أي مشروع فكري جديد أن يتلقى اعتراضات وانتقادات، ولكن المشكلة تكمن في مدى معقولية هذه الاعتراضات ومدى منطقية هذه الانتقادات. فكل فكرة تحاول أن تعيد النظر في المسلَّمات، أو أن تقترح زاوية مختلفة لفهم الإنسان والعالم، لا بد أن تصطدم بردود فعل متشنجة تتفاوت بين الرفض والانفعال والتقليل من القيمة. غير أنّ ما يلفت الانتباه في بعض الاعتراضات التي تُوجَّه إلى ما يُنشر في هذه الصفحة من كتابات ليس كونها تختلف مع ما تذهب إليه، فهذا حق مشروع وطبيعي، بل كونها تبدو وكأنها عاجزة عن التمييز بين أمرين مختلفين تمامًا: بين “المعلومة” بوصفها مادة خامًا متاحة للجميع، وبين “الرؤية” بوصفها قدرة على إعادة تنظيم هذه المادة ضمن نسق تفسيري جديد.
فالبعض يظن أن الجِدّة لا تتحقق إلا إذا جاء الكاتب بمفردات لم تُستخدم من قبل، أو اكتشف معلومة لم يعرفها أحد، أو اقتطع نفسه بالكامل من التراث الإنساني. وهذا تصور يكشف، في الحقيقة، عن فهم ساذج لطبيعة المعرفة البشرية نفسها. إذ إن تاريخ الفكر الإنساني، ومنذ بدايات الفلسفة وحتى أحدث النظريات العلمية، لم يكن يومًا قائمًا على خلق المعرفة من العدم، بل على إعادة قراءة المعارف المتناثرة وربطها ضمن أنساق جديدة تكشف ما كان غائبًا عن الأنظار.
فإسحاق نيوتنIsaac Newton لم يخلق الرياضيات ولا الفيزياء من الفراغ، وتشارلز داروينCharles Darwin  لم يخترع الكائنات الحية، وسيغموند فرويدSigmund Freud  لم يخلق النفس البشرية، وألبرت اينشتاينAlbert Einstein  لم يأتِ بالمكان والزمان من خارج هذا الكون. فالجديد الذي قدمه هؤلاء لم يكن “المواد” نفسها، بل الطريقة التي أُعيد بها تنظيم هذه المواد ضمن إطار يفسّر العلاقات بينها على نحو مختلف.
إن كل مشروع فكري عميق هو، في أحد أبعاده، إعادة تركيب للعالم، لا اختراع للعالم من جديد. وحتى العلوم الطبيعية نفسها تقوم على هذا المبدأ. فالعالم لا يكافئ من يجمع أكبر قدر من المعلومات، بل من يستطيع أن يرى علاقةً لم ينتبه إليها الآخرون، أو أن يكشف نمطًا خفيًا بين ظواهر كانت تبدو متباعدة.
ومن هنا تحديدًا تنشأ المفارقة في بعض الانتقادات التي تُوجَّه إلى ما ينشر في هذه الصفحة. وحين يُقال إن الكتابات التي تنشر في هذه الصفحة هي لا أكثر من معلومات يجري التقاطها من هنا وهناك، فإن هذا القول، من حيث لا يشعر صاحبه يصف بالضبط الآلية التي يعمل بها العقل البشري المنتج للمعرفة. إذ لا يوجد عقل يعمل في فراغ، ولا مشروع فكري يولد خارج التاريخ الإنساني وتراكماته. فالفرق الحقيقي هو ليس بين من يستفيد من الأفكار ومن لا يستفيد، بل بين من يستهلك الأفكار كما هي، ومن يحولها إلى جزء من بنية تفسيرية أوسع.
إن الذي يقرأ كتابات هذه الصفحة بوصفها مجرد “تجميع معلومات” يشبه من ينظر إلى اللوحة الفنية فلا يرى فيها سوى الألوان، أو يستمع إلى السيمفونية فلا يسمع إلا الأصوات المنفصلة، ذلك أن القيمة ليست في العناصر المفردة، بل في طريقة انتظامها والعلاقات الجديدة التي تنشأ بينها.
ثم أن الاتهام بأن هذه الكتابات تسعى لخداع البسطاء يكشف مشكلة أعمق تتعلق بالنظرة إلى القارئ نفسه. وكأن كل قارئ يتفاعل مع فكرة مختلفة هو بالضرورة ساذج أو مخدوع أو عاجز عن التمييز. وهذه نزعة تتكرر كثيرًا لدى بعض الأشخاص الذين يظنون أن اختلاف الناس معهم لا يمكن تفسيره إلا بالجهل أو التضليل، لا بإمكان وجود رؤية أخرى تستحق التأمل.
واللافت أيضًا أن بعض هؤلاء يطالبون، ضمنيًا، بنوع من “النقاء الفكري المستحيل”، أي أن يأتي الكاتب بفكرة لا تشبه شيئًا سبقها مطلقًا. غير أن هذا المطلب، لو أُخذ بجدية، لأدى إلى إعدام الفكر الإنساني كله. فالمعرفة سلسلة متصلة من التراكمات والتحولات وإعادة الصياغة. وحتى أكثر النظريات ثورية كانت تحمل في داخلها آثار ما سبقها، لكنها أعادت ترتيب تلك الآثار ضمن أفق مختلف.
فكتابات هذه الصفحة لا تدعي الكمال، ولا تزعم أن جميع ما تخلص إليه هو صائب بالمطلق أو غير قابل للنقد. فأي مشروع فكري لا يخضع للمساءلة والنقد محكوم عليه بالجمود. غير أن النقد الحقيقي يختلف جذريًا عن الانفعال. فالنقد يحاول أن يفهم الفكرة أولًا ثم يناقشها، أما الانفعال فيبدأ بالحكم قبل الفهم، ويكتفي غالبًا بالسخرية أو الاتهام أو التبسيط المخل.
ولعل أكثر ما يدعو للتأمل أن بعض من يرفضون هذه الكتابات بعنف لا يفعلون ذلك لأنهم أثبتوا خطأها تفصيليًا، بل لأنهم يشعرون بنفور من المنهج الذي تقوم عليه أصلًا؛ أي من محاولة الربط بين حقول معرفية متعددة، أو من إعادة مساءلة التصورات الموروثة حول الإنسان والطبيعة والمعنى. وكأن المشكلة ليست فيما يُقال، بل في مجرد الاقتراب من مناطق اعتاد الناس على التعامل معها بوصفها مغلقة أو محسومة.
إن الحقيقة لا تُقاس بحدة الانفعال تجاهها، ولا بعدد من يسخرون منها، بل بقدرتها على الصمود أمام الفحص والتأمل والحوار الطويل. فهذه الكتابات لا تدعو الى التسليم المطلق بكل ما تشتمل عليه، ولكنها تحض على إعمال الفكر وبما يعزز من آليه الحكم النقدي المتبصر؛ فإن آنس القارئ بعدها في هذه الكتابات منطقاً ولاقت من عقله قبولاً فارتضاها، وإلا فالأمر له إن شاء أن يدعها ويُعرض عنها. فالاختلاف الحقيقي يبدأ من فهم الفكرة كما هي، وليس كما يتخيلها الانفعال أو يختزلها سوء الظن.

أضف تعليق