
لقد تعاملت الدراسات السايكولوجية والسوسيولوجية الحديثة مع المراهقة بوصفها “مرحلة انتقالية” بين الطفولة والرشد، وكأنها مجرد جسر زمني مؤقت يعبره الإنسان في طريقه إلى الاكتمال النفسي والتكامل الاجتماعي. وضمن هذا التصور، جرى اختزال هذه المرحلة إلى مجموعة من التغيرات الهرمونية والانفعالية والسلوكية التي يُفترض أنها طبيعية ومؤقتة، وأن وظيفتها الأساسية تكمن في تهيئة الفرد للاندماج التدريجي في المجتمع الراشد. غير أن هذا التصور، على الرغم من شيوعه الواسع، يكشف عن قصور معرفي عميق يتعلق بطبيعة الإنسان نفسه، وبالعجز البنيوي الذي لا تزال تعاني منه العلوم الإنسانية في مقاربتها للظاهرة البشرية.
فالمراهقة ليست مجرد مرحلة “وسطى” بين حالتين مستقرّتين، بل هي، في حقيقتها، أخطر نقطة انكشاف في تاريخ الإنسان البايولوجي والنفسي على حد سواء. إنها المرحلة التي تظهر فيها، بأوضح صورة ممكنة آثار الانكسار العميق الذي أصاب الكائن البشري منذ خروجه على اقتصاد الطبيعة ودخوله فيما يمكن تسميته، ضمن المقاربة الميتابايولوجية، بـ “اقتصاد التمثّل”. ولهذا فإن اختزال المراهقة إلى مجرد مرحلة نمو طبيعي لا يختلف كثيرًا عن اختزال الزلزال إلى “اهتزاز أرضي عابر”، مع تجاهل القوى البنيوية الهائلة التي تكشف عنها تلك اللحظة.
إنّ السبب الرئيس وراء هذا الاختزال يعود إلى أن معظم الدراسات النفسية والاجتماعية الحديثة انطلقت، منذ بداياتها، من افتراض ضمني لم يُفحص بما يكفي، مفاده أن الإنسان يمثل استمرارًا طبيعيًا ومتدرجًا لبقية الكائنات البيولوجية. وضمن هذا الإطار، جرى التعامل مع كل مراحل نموه بوصفها حلقات من تطور متسق ومتجانس، بحيث تُفهم الطفولة والمراهقة والرشد بوصفها مراحل متتابعة داخل مسار واحد مستقر من الناحية البايولوجية. غير أن المراهقة تكشف، على نحو يصعب تجاهله، أن الإنسان ليس كائنًا منسجمًا مع ذاته البايولوجية كما يُفترض.
ففي هذه المرحلة تحديدًا يظهر التناقض الحاد بين ما تقتضيه الطبيعة وما تفرضه البنى الاجتماعية والرمزية التي صنعها الإنسان نفسه. إذ يصبح الفرد، لأول مرة، مؤهلًا بايولوجيًا لتحقيق الغاية الأساسية التي قامت عليها الحياة العضوية منذ بداياتها: التكاثر واستمرار النوع. لكن المجتمع البشري، بخلاف أي تجمع حيواني آخر، لا يسمح بانسيابية هذا الانتقال الطبيعي، بل يقيم أمامه منظومة هائلة من الضبط والتأجيل والكبح والتمثّل. وهكذا يتحول المراهق إلى ساحة صراع بين نداء الطبيعة ونداء المجتمع، بين إرادة النوع وإرادة الجماعة، بين الجسد والتمثّل.
غير أن العلوم النفسية والاجتماعية، بدل أن ترى في هذا الصدام دليلًا على وجود خلل بنيوي في علاقة الإنسان بالطبيعة، آثرت إعادة تفسيره بوصفه “أزمة نمو” أو “مرحلة تكيّف”. أي أنها قامت، من حيث لا تشعر بتطبيع التناقض بدل مساءلته.
وهنا تحديدًا تتجلى الأزمة المعرفية العميقة في المقاربة الحديثة للمراهقة. فبدل أن تُطرح الأسئلة الجذرية المتعلقة بسبب هذا التمزق غير المسبوق في الكائن البشري، جرى الاكتفاء بوصف أعراضه السلوكية والانفعالية. فالمراهق يُدرس بوصفه كائنًا قلقًا، متمردًا، متقلب المزاج، مندفعًا، هشًا نفسيًا، شديد الحساسية، مضطرب الهوية… لكن نادرًا ما يُسأل السؤال الأهم: لماذا لا تمر بقية الكائنات الحية بهذا القدر من الانفجار البنيوي عند بلوغها؟
إنّ الحيوان يبلغ، ثم ينخرط مباشرة في اقتصاد النوع دون أن يتحول بلوغه إلى أزمة وجودية شاملة. فلا الذئب يدخل في صراع هوية، ولا الغزال يعاني اغترابًا نفسيًا، ولا الطيور تمر بانهيارات عاطفية معقدة لأنها أصبحت قادرة على التكاثر. أما الإنسان، فإن بلوغه يتحول إلى زلزال نفسي واجتماعي ومعرفي يكاد يعصف بكل توازنه الداخلي. وهذه الحقيقة، بدل أن تُعامل بوصفها شذوذًا تطوريًا بالغ الدلالة، جرى احتواؤها ضمن لغة “النمو الطبيعي”.
ويبدو أن أحد أسباب هذا الإصرار يعود إلى الطبيعة الأيديولوجية الخفية التي حكمت العلوم الإنسانية الحديثة منذ نشأتها؛ إذ كان مطلوبًا منها، بصورة أو بأخرى، أن تحافظ على صورة الإنسان بوصفه كائنًا عقلانيًا متماسكًا، وأن تتجنب أي استنتاج قد يقود إلى الاعتراف بأن الإنسان يحمل في بنيته قدرًا هائلًا من الانقسام والتناقض والخروج على الاقتصاد الطبيعي للحياة.
ولهذا فإن معظم النظريات النفسية والاجتماعية تعاملت مع المراهقة بوصفها “مرحلة عبور” ينبغي احتواؤها تربويًا واجتماعيًا، لا بوصفها نافذة تكشف الطبيعة الحقيقية للإنسان بعد الانعطافة التطورية الأولى. فالتحليل النفسي ردّها إلى صراعات الغريزة والسلطة، والسوسيولوجيا ردّتها إلى إشكالات الاندماج الاجتماعي، وعلم النفس النمائي جعلها مرحلة في تشكل الهوية، لكن جميع هذه المقاربات على اختلافها اشتركت في افتراض أساسي واحد مفاده أن ما يحدث للمراهق هو جزء طبيعي من الارتقاء البشري.
غير أن المراهقة قد تكون، وعلى العكس تمامًا، الدليل الأوضح على أن الإنسان ليس ارتقاءً منطقيًا سلسًا على المستوى البايولوجي-الفيسيولوجي، بل كائن تعرض لتحول بنيوي عميق أخرجه من حالة الانسجام التي تحكم بقية الكائنات الحية. فالمراهقة هي المرحلة التي تتكشف فيها هشاشة الإنسان العصبية والنفسية بأعلى درجاتها، وتظهر فيها التناقضات التي لا يمكن تفسيرها بمجرد التطور التدريجي.
بل إن كثيرًا من الظواهر الملازمة للمراهقة، من القلق الحاد والتوتر الوجودي والانفجار العاطفي والنزعات التدميرية والتمرد والانهيارات النفسية واضطرابات الهوية، قد لا تكون أعراض “نمو”، بل أعراض تصدع بنيوي في الكائن البشري نفسه؛ وهو تصدعٌ بدأ منذ اللحظة التي خرج فيها الإنسان من اقتصاد الطبيعة إلى اقتصاد التمثّل.
ومن هنا فإن إعادة قراءة المراهقة لا ينبغي أن تنطلق من السؤال التقليدي: “كيف نعبر هذه المرحلة بسلام؟”، بل من سؤال أكثر جذرية وخطورة: “ماذا تكشف لنا المراهقة عن الإنسان نفسه؟”
فربما كانت هذه المرحلة، أكثر من أي مرحلة أخرى، الشاهد الحي على أن الإنسان لم يعد كائنًا تتحرك إرادته ضمن انسجام الطبيعة، بل أصبح الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يدخل في صراع نفسي واجتماعي ووجودي مع إرادة النوع ذاته.
