
ليس من السهل على الإنسان أن يتعامل مع العلم بوصفه بنيةً رياضيةً محضة، أو منظومةً من العلاقات والقوانين التي لا تقول أكثر مما تسمح به معادلاتها. فالعقل البشري، ومنذ خروجه على “اقتصاد الطبيعة” إلى ما يمكن تسميته ضمن المقاربة الميتابايولوجية بـ “اقتصاد التمثّل”، لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالمعطى كما هو، بل أصبح مدفوعًا على الدوام إلى إلباسه معنى يتجاوز حدوده، وتأويله ضمن إطار ميتافيزيقي أو أيديولوجي يربطه بصورة كلية للعالم والوجود والإنسان.
ومن هنا، فإن المشكلة الحقيقية في تاريخ العلم لم تكن يومًا في المعادلات ذاتها، ولا في القوانين الرياضية المجردة، بل في الكيفية التي يستقبل بها العقل الإنساني هذه المعادلات، ويعيد تمثّلها داخل نسقه الاعتقادي والثقافي والميتافيزيقي. فالعلم، من حيث هو علم، لا يقول لنا ما إذا كان الكون روحًا كونية، أو مادةً صمّاء، أو تجليًا للإرادة الإلهية، أو وهمًا إدراكيًا، أو شبكةً من الاحتمالات غير المتعينة. إنما الذي يفعل ذلك هو العقل البشري حين يعجز عن ترك المعادلات في حيادها الرياضي، فيُسارع إلى كسوتها بلباس فلسفي يمنحها “معنى وجوديًا” ينسجم مع رؤيته المسبقة للعالم.
ولعلّ فيزياء الكم تمثل المثال الأوضح على هذه الظاهرة. فالمعادلات هي ذاتها، والثوابت هي ذاتها، والصيغ الرياضية لا تختلف من مدرسة إلى أخرى، غير أن ما يختلف جذريًا هو “التمثّل الميتافيزيقي” لهذه المعادلات. فالعقل البوذي رأى في اللايقين الكمي تأكيدًا لوهم الجوهر وثبات الذات، والعقل الطاوي وجد فيه انسجامًا مع فكرة السيولة الكونية والتوازن الديناميكي، وبعض التأويلات الهندوسية قرأت فيه برهانًا على وحدة الوجود وتداخل الكينونات، بينما تعامل العقل السوفيتي، المتأثر بالمادية الجدلية، مع الظواهر الكمية بوصفها تأكيدًا لحركية المادة وصيرورتها الداخلية. أما العقل الغربي المعاصر، الخارج من رحم الإرث الإغريقي-الروماني والمشحون في الوقت نفسه بخلفيته اليهودية-المسيحية، فقد بقي مذبذباً بين نزعتين متعارضتين: نزعة مادية تختزل الكم إلى احتمالات رياضية بلا معنى، ونزعة روحانية رأت فيه بابًا لإعادة السحر إلى الكون بعد قرون من الجفاف الميكانيكي.
واللافت هنا أن أحدًا من هؤلاء لم يغيّر المعادلات نفسها. فلم يبتكر البوذي “رياضيات كمية” تختلف عن الرياضيات الغربية، ولم يكتشف الطاوي قوانين أخرى للطبيعة، ولم يكن للسوفيتي ثابت بلانك مختلف عن ثابت بلانك الذي يستخدمه الفيزيائي الأمريكي أو الألماني. كل ما حدث هو أن العقل البشري عجز عن استقبال الحقيقة الفيزيائية في عريها الرياضي الخالص، فأعاد إنتاجها بوصفها امتدادًا لبنيته الرمزية والأيديولوجية الخاصة.
وهنا تحديدًا تتجلى إحدى أخطر خصائص الإنسان بوصفه كائنًا غارقًا في “فائض التمثّل”. فالإنسان لا يكتفي بإدراك الشيء، بل يشعر بحاجة قهرية إلى تفسيره ضمن قصة كبرى، وإلحاقه ببنية كلية تمنحه الطمأنينة الإدراكية. ولذلك فإن المعادلة العلمية، مهما بلغت دقتها، لا تبقى في وعي الإنسان مجرد علاقة رياضية محايدة، بل تتحول إلى مادة خام لإنتاج المعنى، وإلى ساحة تتصارع فيها الميتافيزيقا والأيديولوجيا والتصورات الحضارية.
ومن هنا يمكن فهم السبب العميق وراء استحالة وجود “قراءة بشرية خالصة للعلم”. فالعقل البشري لا يستطيع النظر إلى الكون دون أن يرى نفسه منعكسة فيه؛ إذ أنه يحمّل الطبيعة دومًا أكثر مما تقوله الطبيعة، ويستخرج من المعادلات ما لم تضعه المعادلات أصلًا. ولذلك فإن السؤال الذي يطرحه كثيرون: “ما التفسير الحقيقي لفيزياء الكم؟” قد يكون سؤالًا مضللًا منذ البداية، لأنه يفترض وجود “حقيقة ميتافيزيقية” كامنة خلف المعادلات، بينما قد لا تكون المعادلات قد قالت شيئًا من هذا كله أصلًا.
إن ما نسمّيه “تفسيرًا” ليس في كثير من الأحيان سوى انعكاس للبنية الحضارية للعقل الذي يفسّر. ولهذا فإن اختلاف التأويلات لا يكشف عن تعدد الحقيقة الفيزيائية، بل عن تعدد أنماط التمثّل البشري. فالحقيقة الرياضية واحدة، لكن العقول ليست واحدة، ولذلك تتشظى الحقيقة في الوعي الإنساني إلى صور متباينة، لا بسبب اختلاف العلم، بل بسبب اختلاف الإنسان نفسه.
وهنا يعود “فائض التمثّل” ليظهر لا بوصفه فرضية فلسفية مجردة، بل بوصفه حقيقة أنثروبولوجية ومعرفية تكاد تحكم كل علاقة الإنسان بالعالم. فالإنسان ليس كائنًا يواجه الواقع كما هو، بل كائنًا يغمر الواقع بطبقات متراكبة من المعاني والتأويلات والرموز والإسقاطات. إنه لا يستطيع ترك الحقيقة عارية، لأن عري الحقيقة يهدد البنية الرمزية التي يقوم عليها وعيه ذاته.
ولعل هذا ما يفسر لماذا يتحول العلم، في كل عصر تقريبًا، إلى أداة ضمن صراع المذاهب والرؤى الكونية بدل أن يبقى مجالًا محايدًا للمعرفة. فالمعادلات لا تحمل أيديولوجيا، لكن الإنسان هو الذي يحقنها بها. والقوانين الفيزيائية لا تنتمي إلى مذهب، لكن العقل البشري يرفض أن يتركها بلا انتماء. وهكذا يصبح العلم، في وعي الإنسان، أقل صفاءً مما هو عليه في ذاته، ليس بسبب نقص فيه، بل بسبب “فائض التمثّل” الذي لا يكف العقل البشري عن إسقاطه على كل شيء.
