الرياضيات بوصفها آخر أوهام الموضوعية

هل اكتشف الإنسان لغة الكون، أم أسقط على الكون حاجته إلى اليقين؟
فمنذ أن بدأ الإنسان رحلته الطويلة لفهم العالم، ظلّ يبحث عن شيء يطمئن إليه بوصفه حقيقة خالصة، منزّهة عن الهوى والتأويل والاختلاف. وحين خابت آماله في الحواس، وشكَّ في اللغة، واكتشف هشاشة التصورات الفلسفية وتناقض الميتافيزيقا، بدا له أن الرياضيات هي الملاذ الأخير؛ المجال الوحيد الذي لا يتلوث بالتحيز، ولا يخضع للمزاج، ولا يختلف عليه العقلاء متى التزموا بقواعده الصورية الصارمة. ومن هنا نشأت الفكرة الحديثة التي تكاد تبلغ منزلة العقيدة، ومفادها أن الرياضيات ليست مجرد أداة لفهم الكون، بل هي “لغة الكون” نفسه. غير أن هذا التصور، على ما يبدو عليه من صرامة وموضوعية، قد يخفي في داخله واحدًا من أعمق أشكال فائض التمثّل الذي مارسه العقل البشري عبر تاريخه الطويل. ذلك لأن السؤال الذي نادرًا ما يُطرح بجدية هو: “هل الرياضيات خاصية أصيلة في الوجود نفسه؟ أم أنها البنية الإدراكية التي اضطر العقل البشري إلى إسقاطها على العالم حتى يستطيع احتماله وفهمه والتعامل معه؟”
إن الإنسان، بوصفه كائنًا خرج من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، لم يعد قادرًا على الاكتفاء بالتعامل المباشر مع الواقع كما تعرضه الطبيعة. فهو لا يواجه العالم بوصفه تدفقًا خامًا للأحداث والعلاقات، بل يعيد تنظيمه ضمن أنساق رمزية تمنحه الإحساس بالنظام والمعقولية والسيطرة. ومن هنا يمكن النظر إلى الرياضيات ليس بوصفها اكتشافًا خالصًا لبنية الكون، بل بوصفها أيضًا تعبيرًا عن حاجة الإنسان العميقة إلى فرض الاتساق على واقع يبدو، في جوهره، أكثر فوضوية وغموضًا مما يحتمله الوعي البشري. ولعلّ من أكثر الأمور دلالة أن الرياضيات، رغم طابعها التجريدي، لم تبقَ يومًا علمًا محايدًا بالكامل، بل تحولت عبر التاريخ إلى ما يشبه الميتافيزيقا المقنّعة. فالفيثاغوريون لم يروا في الأعداد مجرد أدوات حساب، بل اعتبروها جوهر الوجود ذاته، ورأوا في التناسبات الرياضية نظامًا “مقدسًا” يحكم الكون. وأفلاطون رفع الكيانات الرياضية إلى مرتبة الحقائق الأزلية الموجودة في عالم مفارق للحس. أما الحداثة الغربية فقد ورثت هذا الإرث، وإن غلّفته بلغة علمية أكثر صرامة، حتى أصبح كثير من الفيزيائيين والفلاسفة يتحدثون عن الكون كما لو كان “معادلة عملاقة”، وعن الرياضيات كما لو أنها كانت البنية العميقة للواقع نفسه.
غير أن هذا التصور يواجه معضلة فلسفية ومعرفية شديدة العمق تتمثل في أن العالم الذي تصفه الرياضيات ليس هو العالم الذي يعيشه الإنسان فعليًا. إن المعادلات لا تعرف اللون ولا الرائحة ولا الألم ولا الحب ولا الخوف ولا الجمال. فالرياضيات تصف العلاقات الكمية والتناسقات الشكلية، لكنها لا تستطيع الإمساك بماهية التجربة الإنسانية الحية. بل إن أكثر المعادلات الفيزيائية نجاحًا لا تخبرنا بشيء عن “لماذا يوجد شيء بدلًا من لا شيء”، ولا عن الكيفية التي يتحول بها النشاط العصبي إلى وعي ذاتي يشعر بالعالم.
وهنا يظهر التوتر العميق بين الرياضيات بوصفها أداة وصف، وبين تحويلها إلى عقيدة أنطولوجية تزعم أنها تكشف حقيقة الوجود المطلقة. فحين يقول بعضهم إن “الكون هو مجرد رياضيات”، فإنهم لا يكتفون باستخدام الرياضيات لفهم العالم، بل يقفزون قفزة ميتافيزيقية هائلة تجعل من النموذج الرمزي حقيقةً نهائية. وكأن العقل البشري، العاجز عن احتمال غموض الوجود، وجد في الرياضيات آخر أشكال الطمأنينة المعرفية، فأضفى عليها طابعًا “مقدسًا” دون أن يشعر.
إن ما يدعو إلى التأمل فعلًا هو أن الرياضيات نفسها ليست منفصلة عن البنية الإدراكية للإنسان. فهي تقوم على مفاهيم مثل العدد والتطابق والاستمرارية واللانهاية والتماثل، وهي مفاهيم لا يمكن الجزم بأنها “موجودة” في الطبيعة بالطريقة ذاتها التي توجد بها في الذهن البشري. فالإنسان لا يكتشف العالم فقط، بل يشارك في بنائه إدراكيًا عبر الأدوات الرمزية التي يستخدمها لفهمه. ولذلك فإن نجاح الرياضيات المذهل في وصف الكون قد لا يعني بالضرورة أن الكون “مكوَّن من رياضيات”، بل ربما يعني أن العقل البشري لا يستطيع رؤية العالم إلا من خلال هذا القالب الرياضي الذي صاغه عبر تاريخه التطوري الطويل. ولعل هذا ما يفسر لماذا بقيت الرياضيات، رغم دقتها المذهلة، عاجزة عن إنهاء الاختلاف البشري حول معنى الوجود. فالعلماء أنفسهم الذين يستخدمون المعادلات ذاتها يختلفون جذريًا في تفسير ما تعنيه هذه المعادلات. فبعضهم يرى أن الكون مادةً صمّاء، وبعضهم يراه عقلًا كونيًا، وآخرون يرونه محاكاةً معلوماتية أو شبكة احتمالات أو تجليًا للوعي. وكل ذلك يحدث رغم الاتفاق الكامل على البنية الرياضية للنظريات العلمية. وهذا يكشف حقيقة شديدة الأهمية مفادها أن الرياضيات قد توحّد الحساب، لكنها لا توحّد التمثّل. فهي تمنح الإنسان القدرة على التنبؤ والسيطرة التقنية، لكنها لا تستطيع أن تمنعه من إسقاط رغباته ومخاوفه وأيديولوجياته على العالم. ولذلك فإن الاعتقاد بأن الرياضيات تمثل “حقيقة خالصة بلا تأويل” قد يكون هو نفسه أحد أعظم التأويلات التي أنتجها العقل البشري.
إن الإنسان، في نهاية المطاف، ليس كائنًا يطيق الفراغ الوجودي. فهو يحتاج دائمًا إلى نقطة ارتكاز مطلقة، إلى شيء يشعره بأن العالم قابل للفهم الكامل. وبعد أن تراجعت الميتافيزيقيات التقليدية في العصر الحديث، ربما وجدت هذه الحاجة القديمة ملاذها الجديد في الرياضيات. وهكذا تحولت المعادلة، بصمت، من أداة لفهم الطبيعة إلى بديل حديث عن اليقين الميتافيزيقي.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق بما إذا كانت الرياضيات صحيحة أم لا؛ فهذا أمر لا جدال فيه ضمن أنساقها الصورية والتطبيقية. السؤال الأعمق هو: “لماذا يحتاج الإنسان إلى الاعتقاد بأن الرياضيات تكشف “جوهر الوجود” نفسه؟ ولماذا يصعب عليه أن يتقبل احتمال أن تكون الرياضيات، مهما بلغت عظمتها، هي مجرد إحدى الطرق التي ينظم بها العقل البشري “فوضى العالم” وغموضه؟” لعل الإجابة تكمن، مرة أخرى، في “فائض التمثّل”؛ ذلك الميل البنيوي الذي يجعل الإنسان غير قادر على ترك الأشياء في حدودها الوظيفية البسيطة، فيحوّل الأدوات إلى عقائد، والنماذج إلى حقائق مطلقة، واللغة إلى جوهر للوجود. وبهذا المعنى، قد تكون الرياضيات آخر أوهام الموضوعية التي احتمى بها العقل البشري في رحلته الطويلة هربًا من هشاشة المعنى وغموض الكون.

أضف تعليق