
كيف أعاد الإنسان إنتاج العقيدة باسم الموضوعية؟
يُنظر إلى العلم الحديث، في الوعي المعاصر، بوصفه أعظم إنجاز حققه العقل البشري في مسيرته الطويلة نحو التحرر من الأسطورة والخرافة والسلطة الميتافيزيقية. فالعلم، بحسب صورته المثالية، لا يعترف إلا بالدليل، ولا يخضع إلا للتجربة، ولا يحتكم إلا إلى البرهان القابل للتحقق والتكرار. ومن هنا نشأت القناعة بأن البشرية بفضل العلم قد تجاوزت أخيرًا عصور اللاهوت وانتقلت من هيمنة العقيدة إلى سيادة العقل.
غير أن هذا التصور، على ما ينطوي عليه من قدر معتبر من الصحة، يخفي مفارقة شديدة العمق؛ إذ يبدو أن الإنسان لم يتخلص من البنية اللاهوتية للعقل بقدر ما أعاد إنتاجها في صورة جديدة أكثر تعقيدًا وحداثة. فالعقل البشري، منذ خروجه من “اقتصاد الطبيعة” إلى “اقتصاد التمثّل”، لم يعد قادرًا على العيش دون منظومات كلية تمنحه اليقين والانتماء والتفسير الشامل للعالم. ولذلك فإن انهيار الميتافيزيقيات القديمة لم يؤدِّ إلى اختفاء النزعة العقائدية، بل إلى انتقالها من الدين إلى مجالات أخرى، كان العلم أبرزها.
إن المشكلة لا تكمن في العلم ذاته، بل في الطريقة التي يتعامل بها الإنسان معه. فالعلم، من حيث هو منهج يقوم على الشك والمراجعة وقابلية الخطأ. أما حين يتحول إلى هوية ثقافية أو سلطة رمزية أو أيديولوجيا كونية، فإنه يفقد كثيرًا من روحه النقدية، ويبدأ بالتشبه بالبنى اللاهوتية التي ظنّ أنه جاء لتجاوزها. ولعل من أكثر العلامات دلالة على هذا التحول أن كثيرًا من النقاشات العلمية المعاصرة لم تعد تُدار بروح البحث الحر، بل بروح الانتماء العقائدي. فالنظريات الكبرى لا تُناقش دائمًا بوصفها نماذج تفسيرية قابلة للتعديل، بل كثيرًا ما تُعامل كما لو كانت حقائق نهائية يُنظر إلى التشكيك فيها بوصفه خروجًا على “الإجماع المقدس”. وهكذا يظهر، داخل بعض الأوساط العلمية والثقافية، شكل جديد من أشكال الأرثوذكسية، له لغته الخاصة ومحرماته وسلطته الرمزية وآلياته في الإقصاء و”التكفير المعرفي”. ولا يعني هذا أن كل اعتراض على النظريات العلمية هو وجيه أو عقلاني، فالعلم لا يمكن أن يستقيم دون معايير صارمة تضبطه وتحميه من الفوضى. لكن المشكلة تظهر حين يتحول الدفاع عن العلم إلى دفاع نفسي عن “صورة كونية” يرتبط بها الإنسان وجدانيًا وهوياتيًا، لا إلى دفاع منهجي عن نموذج تفسيري مؤقت بطبيعته.
إن الإنسان، في جوهره لا يخشى الخطأ العلمي بقدر ما يخشى انهيار البنية الرمزية التي تمنحه الإحساس باليقين. ولذلك فإن كثيرًا من الصراعات التي تبدو علمية في ظاهرها تخفي، في عمقها، صراعًا ميتافيزيقيًا حول معنى الإنسان والكون والتاريخ والمصير. ولهذا السبب تحديدًا يتحول بعض العلماء والمثقفين دون وعي منهم أحيانًا إلى ما يشبه “الكهنة الجدد”؛ ليس لأنهم يمارسون العلم، بل لأنهم يتعاملون معه بوصفه المصدر النهائي للحقيقة المطلقة. ومن اللافت أن هذا التحول يظهر بوضوح خاص في الطريقة التي تُقدَّم بها بعض النظريات العلمية الكبرى للجمهور. فالتطور أو الكوسمولوجيا الحديثة أو علوم الأعصاب أو الذكاء الاصطناعي، كثيرًا ما تُعرض ليس فقط بوصفها حقولًا بحثية، بل بوصفها رؤى شاملة للوجود تحمل ضمنًا أجوبة عن أسئلة فلسفية وأنطولوجية تتجاوز حدود العلم نفسه. وهنا يحدث الخلط الخطير بين “ما تقوله المعطيات” و ”ما يريد الإنسان أن يستنتجه منها”.
إن المعادلات لا تقول إن الحياة بلا معنى، كما أنها لا تقول إن الكون يمتلك غاية أخلاقية. والدماغ، بوصفه موضوعًا للبحث العصبي، لا يعلن بنفسه أن الوعي مجرد وهم، ولا أن الإنسان مجرد آلة بيولوجية. لكن العقل البشري، بفعل “فائض التمثّل”، لا يستطيع مقاومة إغراء تحويل الوصف العلمي إلى عقيدة فلسفية كاملة.
وهنا يتكرر النمط القديم نفسه الذي لازم الإنسان عبر تاريخه المتمثل في الحاجة إلى يقين شامل يفسر كل شيء. ففي الماضي كانت الميتافيزيقا “الدينية” تؤدي هذا الدور، أما اليوم فقد أصبح بعض الناس يبحثون عن هذا اليقين في العلم. غير أن العلم بطبيعته غير قادر على أداء هذه الوظيفة دون أن يفقد جوهره. لأنه كلما تحول إلى عقيدة مكتملة، توقف عن كونه علمًا بالمعنى الحقيقي، وأصبح نظامًا مغلقًا يحرس نفسه بنفسه. ولعل من أخطر نتائج هذا التحول أن الإنسان يبدأ بالتعامل مع العلماء بوصفهم أصحاب سلطة معرفية شبه مقدسة، وليس بوصفهم باحثين يخضعون بدورهم للخطأ والتحيز والقيود الحضارية والنفسية. وهكذا يُعاد إنتاج البنية القديمة ذاتها: نخبة تمتلك “الحقيقة الصحيحة”، وجمهور يتلقى، وخطاب يُمنح حصانة رمزية تمنع مساءلته خارج الحدود المرسومة له.
ولا يقتصر الأمر على الأفراد، بل يمتد إلى الحضارات ذاتها. فكل حضارة تميل إلى إعادة تأويل العلم بما ينسجم مع رؤيتها الكلية للعالم. ولذلك فإن “العلم العالمي” الذي يُفترض أنه محايد تمامًا كثيرًا ما يتحول في لحظات التوتر الحضاري إلى أداة ضمن صراع الهويات والرؤى الكونية. ومن هنا نفهم لماذا تستطيع المعطيات العلمية نفسها أن تُستخدم للدفاع عن الفردانية الغربية أو المادية الجدلية أو الروحانيات الشرقية أو حتى النزعات العدمية الحديثة.
إن المشكلة إذًا ليست في العلم، بل في الإنسان الذي لا يستطيع أن يترك العلم في حدوده المنهجية. فهو يطالبه دائمًا بما يتجاوز طاقته وذلك بأن يمنحه معنى نهائيًا، وأن يجيب عن قلقه الوجودي، وأن يملأ الفراغ الذي تركه انهيار الميتافيزيقيات القديمة. وحين يعجز العلم عن ذلك يبدأ العقل البشري بإلباسه ثوبًا أيديولوجيًا يحوّله إلى ما يشبه “الدين الجديد”، وإن كان بلغة مختلفة.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كان العلم صحيحًا أو خاطئًا، بل “هل يستطيع الإنسان أصلًا أن يتعامل مع أي منظومة معرفية دون أن يحولها إلى عقيدة؟ وهل تكمن أزمة الإنسان الحديثة في نقص المعرفة، أم في عجزه البنيوي عن منع نفسه من تأليه ما ينتجه عقله؟” ولعلّ هذا هو أحد أعمق تجليات “فائض التمثّل”، فالإنسان لا يكتفي بالمعرفة، بل يسعى دائمًا إلى تحويلها إلى خلاص رمزي. ولذلك فإن العلم مهما بلغ من دقة وتجريد، فإنه يبقى معرضًا لأن يتحول في الوعي البشري إلى لاهوت جديد، ليس لأن العلم يفرض ذلك، بل لأن الإنسان لا يستطيع العيش طويلًا دون معتقدات “ميتافيزيقية”.
