
لماذا يستحيل على العقل البشري أن يفكر خارج افتراضاته الوجودية؟
ثمة صورة مثالية ترسخت في الوعي الحديث للعالِم بوصفه ذلك الكائن البارد والمحايد الذي يقف خارج الانحيازات والميول والأهواء، متسلحًا فقط بالملاحظة والتجربة والمنهج الصارم. ووفق هذه الصورة، فإن العالِم لا “يؤمن” بشيء، بل يتحرك حصريًا داخل حدود ما تسمح به المعطيات التجريبية والبرهنة الرياضية. ومن هنا نشأت الفكرة الشائعة بأن العلم يمثل انتصارًا نهائيًا للعقل على الميتافيزيقا، وأن العالِم الحديث قد تحرر أخيرًا من الأسئلة الوجودية الكبرى التي كانت تهيمن على الفلاسفة واللاهوتيين في العصور السابقة. غير أن هذه الصورة، على ما تنطوي عليه من جانب حقيقي يتعلق بالصرامة المنهجية للعلم، تتجاهل حقيقة أكثر عمقًا وتعقيدًا وهي أن الإنسان، مهما بلغ من الدقة العلمية، لا يستطيع التفكير خارج أفقه الميتافيزيقي بالكامل. فالعالِم، قبل أن يكون عالِمًا، هو إنسان؛ أي كائن مشروط ببنية إدراكية ونفسية وحضارية تدفعه بوعي أو دون وعي إلى تبني افتراضات كلية عن العالم والوجود والمعنى حتى حين يظن أنه قد تحرر منها.
إن المشكلة لا تكمن في أن العلماء “يرتكبون أخطاء”، فهذا أمر طبيعي في كل نشاط بشري، بل في الاعتقاد أن بالإمكان أصلًا إنتاج معرفة بشرية خالصة من أي خلفية ميتافيزيقية. فالعلم لا يعمل في فراغ، بل داخل أطر تصورية مسبقة تحدد ما الذي يُعد سؤالًا مشروعًا، وما الذي يُعتبر تفسيرًا مقبولًا، وما الذي يُنظر إليه أصلًا بوصفه “واقعًا”. ولعل أكثر ما يكشف هذا البعد الخفي هو أن العلماء أنفسهم، رغم اتفاقهم على المعادلات والتجارب، يختلفون جذريًا في فهم معنى ما يكتشفونه. فالمادة بالنسبة لبعضهم هي الحقيقة الوحيدة، بينما يراها آخرون مجرد مظهر لبنية أعمق. وبعضهم يتعامل مع الوعي بوصفه عرضًا بايولوجيًا طارئًا، في حين يراه آخرون عنصرًا أساسيًا في بنية الكون. وهناك من يرى الزمن حقيقة موضوعية مستقلة، وآخرون يعدّونه مجرد بناء إدراكي. وكل ذلك يحدث رغم اشتراكهم في المنهج العلمي ذاته.
وهذا يكشف أن العلم مهما بلغ من الدقة، لا يستطيع أن يلغي السؤال الميتافيزيقي، لأن العقل البشري نفسه لا يعمل دون افتراضات وجودية مسبقة. فحين يصرّ عالِم ما على أن “كل شيء مادة”، فهو لا يعلن نتيجة تجريبية خالصة، بل يتبنى موقفًا أنطولوجيًا يتجاوز ما يمكن للمعمل أن يثبته. وحين يقول آخر إن “الوعي أساس الواقع”، فإنه بدوره يقفز من المعطيات إلى التأويل الميتافيزيقي.
إن التجربة العلمية تستطيع أن تخبرنا بكيفية تصرف الظواهر، لكنها لا تستطيع وحدها أن تحدد ماهية الوجود النهائية. ومع ذلك، فإن العقل البشري نادرًا ما يطيق التوقف عند حدود الوصف. فهو يشعر بحاجة دائمة إلى تحويل “كيف يعمل العالم؟” إلى “ما حقيقة العالم؟”. ومن هنا يبدأ التسلل الصامت للميتافيزيقا إلى قلب الخطاب العلمي.
ولعل من أكثر المفارقات دلالة أن أكثر العلماء رفضًا للميتافيزيقا يقعون فيها دون أن يشعروا. فالمادية الصارمة نفسها ليست نتيجة علمية، بل اختيار فلسفي مسبق يحدد ما الذي يمكن اعتباره موجودًا أصلًا. وكذلك الحال بالنسبة للحتمية أو الاختزالية أو الإيمان بأن الكون بلا غاية أو معنى. فهذه ليست “معادلات”، بل رؤى وجودية يُعاد إسقاطها على المعطيات العلمية.
إن الإنسان، بوصفه كائنًا غارقًا في “فائض التمثّل”، لا يستطيع أن يتعامل مع العالَم بوصفه تدفقًا خامًا من الظواهر؛ حيث أنه يحتاج دائمًا إلى إطار يربط الجزئيات بمعنى كلي، ويحوّل الوقائع المتناثرة إلى قصة مفهومة. ولذلك فإن العالِم، مهما حاول الالتزام بالحياد، يبقى محكومًا ببنية ذهنية وثقافية تدفعه إلى رؤية الكون من زاوية معينة دون أخرى. ولا يعني هذا أن العلم مجرد أيديولوجيا أو أن المعرفة العلمية لا قيمة لها، بل يعني أن الإنسان لا يستطيع أن يمارس العلم بوصفه آلة حسابية خالصة. فالعلم نشاط إنساني، والإنسان لا ينفصل عن شروطه النفسية والحضارية والتاريخية. ومن هنا فإن الموضوعية العلمية الحقيقية لا تتحقق بإنكار هذه الشروط، بل بالوعي بها ومحاولة الحد من تأثيرها قدر الإمكان.
ولعل تاريخ العلم نفسه يكشف بوضوح كيف كانت الخلفيات الميتافيزيقية حاضرة دائمًا في تشكيل الرؤى العلمية الكبرى. فنيوتن، رغم عبقريته الرياضية، كان يرى الكون انعكاسًا لنظام إلهي محكم. وآينشتاين ظل يتحدث عن “عقلانية الكون” بلغة تكاد تلامس الحس الديني. وهايزنبرغ وبور وغيرهما من رواد الكم انخرطوا في أسئلة فلسفية عميقة حول الواقع والمعرفة والراصد(المراقب). وحتى أشد العلماء ماديةً لم يستطيعوا التخلص من افتراضات غير قابلة للاختبار التجريبي حول طبيعة الوجود.
إن هذا التداخل بين العلم والميتافيزيقا ليس حادثًا عارضًا، بل يكشف طبيعة العقل البشري ذاته. فالإنسان لا يكتفي بمعرفة العالم، بل يسعى دائمًا إلى تأويله وجوديًا. وهو لا يريد من العلم فقط أن يمنحه القدرة على التنبؤ والسيطرة، بل أن يجيب أيضًا عن قلقه العميق تجاه الحياة والموت والمعنى والمصير. ومن هنا يمكن فهم سبب الانفعالات العنيفة التي ترافق أحيانًا النقاشات العلمية والفلسفية. فالصراع لا يكون دائمًا حول “البيانات”، بل حول ما تعنيه هذه البيانات بالنسبة لصورة الإنسان عن نفسه وعن الكون. ولذلك يتحول الدفاع عن بعض التصورات العلمية إلى دفاع نفسي عن هوية وجودية كاملة.
إن العالِم في نهاية المطاف ليس عقلًا معلقًا خارج التاريخ واللغة والثقافة، بل كائنًا بشريًا يحمل داخله، حتى في أكثر لحظاته عقلانية، بقايا الأسئلة القديمة نفسها التي لاحقت الإنسان منذ بدايات وعيه: من نحن؟ ولماذا يوجد العالم؟ وهل للوجود معنى؟ وما الذي يقف خلف هذا النظام المذهل الذي نصفه بالمعادلات؟
ولعل أخطر الأوهام الحديثة هو الاعتقاد بأن الإنسان استطاع أخيرًا أن يفكر بلا ميتافيزيقا. فالذي حدث في كثير من الأحيان ليس اختفاء الميتافيزيقا، بل تحوّلها إلى ميتافيزيقا خفية تعمل من وراء ستار اللغة العلمية.
وهنا يظهر “فائض التمثّل” مرة أخرى بوصفه أحد أعمق البنى الحاكمة للوعي الإنساني؛ إذ لا يستطيع العقل البشري أن يترك الوقائع في حدودها التجريبية الباردة، بل يندفع دائمًا نحو تحويلها إلى رؤية كلية للعالم. ولذلك فإن العالِم مهما بلغ من صرامة وموضوعية يظل، شاء أم أبى، كائنًا ميتافيزيقيًا يبحث خلف المعادلات، عن معنى الوجود نفسه.
