كهف ألتاميرا… جبهة القتال بين الحقيقة والوصاية

عندما دخل “مارسيلينو سانز دي ساوتولا” كهف ألتاميرا، لم يكن يعلم أنه لم يكتشف فنوناً تعود للعصر الحجري فحسب، ولكنه فجّر لغماً في أسس السلطة المعرفية في القرن التاسع عشر. فالفيلم يصور ساوتولا كحامل لـ “السلطة الثالثة”؛ سلطة العقل الحر الذي يجد نفسه فجأة محاصراً بين فكي كماشة ممثلةً بصلف مؤسسة العلم الأكاديمي وتزمت المؤسسة الكنسية آنذاك.
تتجلى السلطة الأولى في الفيلم عبر المؤسسة العلمية التي يقودها علماء مثل “إميل كارتيهاك”. والمثير للسخرية هنا هو أن العلم، الذي يُفترض به أن يكون أداة للتحرر، يظهر في الفيلم بصبغة “إكليروس أكاديمي”. فالعلماء رفضوا فكرة أن الإنسان البدائي كان يمتلك القدرة على التجريد والرسم بمثل هذا الإتقان. ولم يكن رفضهم هذا مبنياً على دليل، بل على “عقيدة علمية أكاديمية” ترى أن التطور يجب أن يسير وفق خطى محددة سلفاً. فلقد تبنى العلم المؤسسي أساليب “محكمة التفتيش” ذاتها؛ فكل ما لا يمر عبر قناته الرسمية هو “دجل وتزوير وتزييف”. وبذلك فلقد تحول “المنهج العلمي” من أداة للبحث إلى قيد يمنع رؤية الواقع إذا خالف التوقعات الأكاديمية.
وعلى الضفة الأخرى، نجد السلطة الثانية متمثلة في السلطة الكنسية آنذاك التي رأت في رسومات ألتاميرا تهديداً مباشراً لـ”الرواية الخلقية”. فوفقاً لهذه المؤسسة، فإن أي معرفة لا تنبع من النص الديني المُعتمد أو لا تخدم تصور “الرب والمخلوقات” هي معرفة ضالة.
غير أن العلم المؤسسي يلتقي مع المؤسسة الدينية في هذا الفيلم عند نقطة واحدة هي الخوف من “الاستثناء”. فالمؤسسة الكنسية آنذاك خشت أن يثبت العلم (داروين وأمثاله) قِدم الإنسان بما يتجاوز عمر الخليقة المفترض وذلك وفقاً للنص الديني المُعتمد، كما وأن العلم المؤسسي يخشى أن يثبت الهواة (مثل ساوتولا) خطأ نظرياته الكبرى.
ويمثل “ساوتولا” (أنتونيو بانديراس) تلك السلطة الثالثة؛ وهي سلطة المعرفة الخالصة التي لا تبتغي نفوذاً بل تبتغي كشفاً للحقيقة. لقد أختار ساوتولا أن يقف في “المنطقة الرمادية” الخطيرة. فهو علمي الصبغة لكنه غير معترف به من قبل المؤسسة الأكاديمية، وهو متدين لكنه يرفض وصاية السلطة الكنسية على عقله وتدينه. وتكمن مأساة هذه السلطة في أنها تقف وحيدة. فالفيلم يظهر كيف أن صدق الملاحظة وقوة الدليل لا يكفيان أمام جبروت المؤسسة. ولقد ارتضى صاحب هذا العقل أن يُتهم بالتزوير، وأن يُنبذ اجتماعياً وعلمياً وكنسياً، وذلك مقابل ألا يخون بصره الذي رأى الجمال في أعماق الكهف.
يتبين لنا، وبتدبر ما تقدم، أن فيلم Finding Altamira يقدم لنا قراءة نقدية لمفهوم “الإجماع”. فالحقيقة غالباً ما تولد خارج الأطر المؤسسية. وفي المسافة الفاصلة بين فرض الوصاية على المختبر وتحجر قلب المذبح. يبرز جوهر العقل الحر؛ ذلك الجوهر الذي يدرك أن الحقيقة لا تحتاج إلى “إذن” لتكون موجودة، لكنها تحتاج إلى شجاعة هائلة لتُعلن عن نفسها.

أضف تعليق