الإدمان مرآة لخروج الانسان على الطبيعة

لم يعد الإدمان في عالمنا المعاصر ظاهرة يمكن اختزالها في تعاطي المخدرات أو الكحول أو المواد الكيميائية فحسب، بل غدا بنيةً حضاريةً كاملة تسري في أدق تفاصيل الحياة الإنسانية، حتى لكأن الإنسان الحديث يعيش داخل منظومة إدمانية شاملة لا يكاد ينجو من أسرها جانب من جوانب وجوده. فالإدمان اليوم لم يعد مجرد انحراف سلوكي طارئ، بل أصبح أحد أكثر تجليات خروج الإنسان على “اقتصاد الطبيعة” بعد تلك الانعطافة التطورية الأولى التي حوّلته من كائن مندمج في قوانين الطبيعة إلى كائن يعيش داخل “اقتصاد التمثّل”، حيث تتكاثر الرغبات والرموز والإثارات إلى ما لا نهاية.
فالكائن الطبيعي في اقتصاد الطبيعة، لا يعرف الإدمان بالمعنى الذي نعرفه اليوم. ذلك أن الكائنات الطبيعية تتحرك ضمن حدود الحاجة المباشرة التي تفرضها ضرورات البقاء والتناسل، ثم تعود إلى حالة من التوازن النسبي. أما الإنسان، فمنذ خروجه على هذا الاقتصاد الطبيعي، لم يعد يستهلك الأشياء بوصفها حاجات تنتهي بإشباعها، بل بوصفها فراغات تمثّلية لا يمكن سدّها. ولهذا السبب تحديدًا، لم يعد الإدمان متعلقًا بالمادة ذاتها، بل بالبنية الإدراكية التي تدفع الإنسان إلى البحث الدائم عن التحفيز، وعن الهروب المؤقت من قلقه البنيوي العميق.
ومن هنا، فإن المخدرات ليست إلا أحد الأشكال البدائية المباشرة لهذا الخلل. أما حضارتنا المعاصرة فقد نجحت في إنتاج أشكال أكثر تعقيدًا ونعومةً من الإدمان، حتى أصبح الإنسان محاطًا بأسياد جدد لا يحتاجون إلى قيود ظاهرة كي يُخضعوه لهم. فالهاتف الذكي ومنصات التواصل وسيل التعليقات والإشعارات والمقاطع القصيرة والتدفق اللامتناهي للمحتوى، ليست أدوات تواصل بريئة كما يُخيَّل للناس، بل منظومات هندسة عصبية متقنة تستثمر في هشاشة الدماغ البشري الخارج أصلًا على توازنه الطبيعي.
لقد أصبحت الحضارة المعاصرة تتغذى على اقتصاد الانتباه، حيث يتحول الإنسان نفسه إلى مادة خام تُستهلك نفسيًا وعصبيًا. فكل إشعار يصل إلى الهاتف، وكل تعليق جديد، وكل إعجاب أو مشاركة، يعمل بوصفه دفقة صغيرة من التحفيز العصبي الذي يعيد تشكيل دوائر المكافأة داخل الدماغ. وهنا تحديدًا تتجلى المأساة الميتابايولوجية للإنسان؛ إذ يتحول الكائن الذي ظن أنه تحرر من الطبيعة إلى عبدٍ لإشارات إلكترونية ورموز رقمية لا وجود ماديًا حقيقيًا لها.
ولعل أخطر ما في هذه الإدمانات الجديدة أنها لا تُمارَس بوصفها انحرافًا ظاهرًا، بل بوصفها “حياة طبيعية”. فالمدمن التقليدي كان يشعر على الأقل بأنه غارق في سلوك استثنائي، أما إنسان اليوم فإنه قد يقضي ساعات طويلة يحدق في شاشة هاتفه، ينتقل بين التعليقات والمنشورات والمقاطع القصيرة، دون أن يشعر أنه يمارس أي نوع من أنواع الإدمان، رغم أن دماغه يكون قد دخل فعليًا في حلقة قهرية من البحث المستمر عن التحفيز.
إن الإنسان الحديث لم يعد قادرًا على تحمل الفراغ أو الصمت أو السكون. فالهدوء نفسه أصبح عبئًا عليه، لأنه يكشف له مقدار الفراغ الداخلي الذي يحاول الهروب منه. ولهذا أصبحت الحضارة المعاصرة قائمة على إنتاج ضوضاء دائمة تُبقي الدماغ في حالة استثارة مستمرة، حتى لا يواجه الإنسان ذاته مواجهة حقيقية. ومن هنا يمكن فهم ذلك القلق العجيب الذي يصيب كثيرًا من الناس حين ينقطع الإنترنت، أو حين يبتعدون قليلًا عن هواتفهم، أو حين لا يجدون من يتفاعل مع ما ينشرونه. فالمسألة لم تعد مسألة ترف تقني، بل أصبحت مسألة اعتماد نفسي وعصبي عميق.
غير أن الإدمان لا يتوقف عند حدود التكنولوجيا. فالإنسان أصبح يدمن كل شيء تقريبًا، فهو يدمن الاستهلاك ويدمن الأخبار ويدمن الغضب ويدمن الشعور بالاضطهاد ويدمن التفاعل الجماعي، بل ويدمن حتى الأفكار والهويات والأيديولوجيات. ذلك لأن “فائض التمثّل” الذي نتج عن خروج الإنسان على الطبيعة جعل العقل البشري عاجزًا عن الاكتفاء بالحد الأدنى الذي يضمن التوازن. فالإنسان لم يعد يعيش العالم كما هو، بل كما تُعيد منظومات التمثل تشكيله داخل دماغه.
ومن أخطر ما أنتجته هذه المرحلة الحضارية أن الإنسان لم يعد يُستعبد بالقوة، بل بالرغبة. فالسادة الجدد لا يضعون الأغلال في الأعناق، بل يزرعون داخل الإنسان نفسه رغبةً دائمة في العودة إليهم. وهنا يبلغ الإدمان ذروته الخطيرة؛ إذ يصبح العبد مشاركًا في صناعة عبوديته، بل ومدافعًا عنها أحيانًا. ولذلك فإن كثيرًا من الناس إذا مُنعوا من مصادر إدماناتهم الحديثة، شعروا وكأن جزءًا من ذواتهم قد انتُزع منهم.
وفي ضوء المقاربة الميتابايولوجية، لا يمكن فهم هذا الانفجار الإدماني العالمي بوصفه مجرد مشكلة أخلاقية أو اجتماعية أو طبية فحسب، بل بوصفه نتيجة بنيوية مباشرة لخروج الإنسان على اقتصاد الطبيعة. فالإنسان، بعد الانعطافة التطورية الأولى، لم يتحول إلى كائن أكثر حرية كما توهم، بل إلى كائن أكثر قابلية للاستعباد، لأن انهيار توازنه الطبيعي جعله يبحث باستمرار عن بدائل اصطناعية تمنحه شعورًا مؤقتًا بالاكتمال أو الطمأنينة أو المعنى.
غير أن هذه البدائل لا تستطيع أن تمنحه السلام الحقيقي، لأنها تعمل على تخدير القلق لا على حله. ولهذا فإن الحضارة المعاصرة، كلما توسعت في إنتاج وسائل الإشباع والتحفيز، اتسعت معها دائرة الفراغ والقلق والإدمان. فالمشكلة لم تكن يومًا في نقص الوسائل، بل في البنية الوجودية للكائن الذي خرج على الطبيعة وظن أنه أصبح سيد نفسه، فإذا به ينتهي عبدًا لأشياء لم تكن موجودة أصلًا في عالم الطبيعة.
وهكذا، فإن الإدمان، في جوهره العميق، ليس إلا الوجه الآخر لعجز الإنسان عن العودة إلى حالة التوازن التي فقدها منذ تلك اللحظة التي انفصل فيها عن “اقتصاد الطبيعة” ودخل عالم “فائض التمثّل”؛ العالم الذي تتكاثر فيه الرغبات بلا نهاية، ويتحول فيه التحرر الموعود إلى شكل جديد وأكثر تعقيدًا من العبودية.

أضف تعليق