الهروب من الذات…الإنسان بين لوم العالم وتحمُّل المسؤولية

لعل من أكثر الظواهر النفسية والاجتماعية رسوخًا في الكينونة البشرية ذلك الميل العجيب إلى تعليق أسباب التعثر والإخفاق والاضطراب الوجداني على الآخرين، وكأن الإنسان كائنٌ تُصنع مصائره دومًا في الخارج، وليس على يديه. فقلّما يجد المرء إنسانًا لا يحمل في أعماقه سرديةً طويلة عن “الذين أفسدوا حياته”، أو “الذين حالوا بينه وبين ما كان يستحقه”، أو “الذين تسببوا في تحطيمه نفسيًا أو مهنيًا أو اجتماعيًا”. حتى ليبدو العالم، في نظر كثيرين، مؤامرةً مستمرة اشترك الجميع في صناعتها ضدهم؛ الأهل والمجتمع والدولة والحبيب والظروف والفقر والحسد والسلطة والحروب، بل وحتى الزمن ذاته. واللافت في هذه النزعة أنها تكاد تكون ظاهرة إنسانية عالمية، لا يحدها انتماء عرقي أو ديني أو طبقي أو ثقافي. فالفقير يُحمِّل الأغنياء مسؤولية بؤسه، والغني يُحمِّل المجتمع مسؤولية قلقه وتعاسته، والفاشل يُحمِّل المحيطين به مسؤولية إخفاقه، والمتعثر عاطفيًا يُحمِّل الآخرين مسؤولية وحدته، وحتى من أخفق في بناء أسرة أو تحقيق استقرار نفسي كثيرًا ما يجد نفسه مدفوعًا إلى إقامة محكمة داخلية لا يُدان فيها إلا العالم الخارجي، بينما يخرج هو منها بريئًا براءةً كاملة.
غير أن السؤال الأكثر خطورة هنا هو ليس: “هل يؤثر الآخرون فينا؟” فذلك أمر لا يمكن إنكاره، إذ لا يعيش الإنسان في فراغ، بل داخل شبكات معقدة من التأثيرات الاجتماعية والنفسية والاقتصادية. وإنما السؤال الحقيقي هو: “لماذا يميل الإنسان إلى تضخيم مسؤولية الخارج، مقابل تقليص مسؤوليته الذاتية إلى الحد الأدنى؟ ولماذا يجد كثير من الناس راحةً نفسية عميقة في لعب دور الضحية، حتى لو أدى ذلك إلى شلّ رغبتهم في التغيير؟”.
إن أحد أكثر التفسيرات عمقًا لهذه الظاهرة يكمن في أن الاعتراف بالمسؤولية الذاتية فعل بالغ القسوة على النفس البشرية. فالإنسان حين يقر بأن جزءًا كبيرًا مما وصل إليه كان نتاج قراراته وخياراته وطريقة استجابته للأحداث، فإنه يواجه انهيار الصورة التي بناها عن نفسه بوصفه كائنًا بريئًا تمامًا. ولهذا يصبح تحميل الآخرين المسؤولية آلية دفاعية تحمي “الأنا” من الانكسار. فاللوم الخارجي يمنح الإنسان شعورًا خداعًا بالبراءة، ويُبقي احترامه لِذاته قائمًا، حتى وإن كان الثمن هو البقاء أسيرًا للعجز والمرارة.
ولهذا نرى أن الإنسان قد يتحمل سنوات طويلة من الحقد والندم والتذمر، لكنه يعجز عن لحظة صدق واحدة يقول فيها لنفسه: “لقد كنتُ أنا أيضًا سببًا فيما حدث”. ذلك أن هذه الجملة البسيطة تمثل أخطر منعطف نفسي يمكن أن يمر به الإنسان، لأنها تنقل مركز القوة من الخارج إلى الداخل. فالذي يُحمِّل العالم كامل المسؤولية يظل دائمًا عاجزًا، لأن خلاصه يبقى مرهونًا بتغيّر الآخرين أو تغيّر الظروف. أما الذي يبدأ بتحمّل مسؤوليته، فإنه يستعيد لأول مرة قدرته على الفعل.
ومن هنا نفهم لماذا كانت نقطة التحول الكبرى في حياة العظماء، والأنبياء، والمصلحين، وأصحاب التجارب الروحية العميقة، تبدأ دومًا من لحظة مواجهة الذات لا من لحظة اتهام العالم. فالعظماء لم يكونوا أولئك الذين عاشوا ظروفًا مثالية، بل كانوا أولئك الذين رفضوا أن يجعلوا من ظروفهم ذريعةً للانهيار. لقد تعرض كثير منهم للظلم والإقصاء والفقر والخيانة والاضطهاد، ومع ذلك لم تتحول حياتهم إلى مشروع دائم للشكوى والاتهام، بل إلى مشروع للمراجعة الداخلية وإعادة بناء الذات، فجوهر التجربة الروحية عند الأنبياء والصالحين قائم على هذا المعنى تحديدًا؛ أي على الانتقال من محاكمة العالم إلى محاكمة النفس. ولذلك لم يكن الإصلاح الحقيقي، في جوهره، مجرد دعوة أخلاقية سطحية، بل كان انقلابًا جذريًا في وعي الإنسان بنفسه ومسؤوليته عن أفعاله وخياراته. ولهذا امتلأت النصوص الروحية الكبرى بالدعوة إلى محاسبة النفس قبل محاسبة الآخرين، لأن الإنسان الذي لا يواجه نفسه يظل سجينًا أبديًا لدائرة اللوم والمرارة.
غير أن المفارقة المؤلمة تكمن في أن كثيرًا من البشر يظنون أن تحميل الذات المسؤولية نوع من جلد النفس أو تحقيرها، بينما الحقيقة هي أن الأمر على العكس من ذلك تمامًا. فالإنسان لا يكتسب فرصته الحقيقية إلا حين يدرك أنه ليس مجرد نتيجة سلبية لما فعله به الآخرون، وإنما كائن يمتلك القدرة على إعادة تشكيل نفسه رغم كل شيء. إن الاعتراف بالمسؤولية ليس إهانة للذات، بل هو إعلان عن امتلاك الإرادة. أما الذين يقضون أعمارهم في تعليق فشلهم على الآخرين، فإنهم من حيث لا يشعرون، يمنحون هؤلاء الآخرين سلطة مطلقة على حياتهم. فحين يقتنع الإنسان بأن الآخرين هم السبب الكامل وراء تعاسته، فإنه يمنحهم أيضًا حق التحكم بمستقبله وسعادته وقدرته على النهوض. وهنا تتحول عقلية الضحية إلى سجن نفسي مغلق، يظن صاحبه أنه ينتقم من العالم عبر شكواه المستمرة، بينما هو في الحقيقة يستهلك حياته في إعادة إنتاج ألمه.
ولعل أخطر ما في هذه النزعة هو أنها لا تُنتج إصلاحًا حقيقيًا، بل تُنتج إنسانًا غارقًا في اجترار الماضي، عاجزًا عن التحرك نحو المستقبل. فالذي يظل مشغولًا بمن أخطأ بحقه، كثيرًا ما يفقد القدرة على سؤال نفسه: “وماذا سأفعل أنا الآن؟”.
وهنا تحديدًا يبدأ الفرق بين الإنسان الذي يسقط تحت وطأة الحياة، والإنسان الذي يعيد تشكيل نفسه من داخلها. فالأول يظل يبحث عن متهمين، أما الثاني فيبحث عن طريق.

أضف تعليق